فهرس الكتاب

الصفحة 3485 من 5287

دعوة الحق، س 4، ع 9 - 10/يونيه -يوليوز 1961 ص17

للأستاذ عبد السلام الهراس

إن شر ما تصاب به أمة انتشار سرطان المدارس الأجنبية في بلادها، وإفساح المجال لتلك المدارس لكي تنمو وتترعرع حتى تؤدي رسالتها التخريبية بكل دقة وأمانة، فتلك المدارس ثكنات خطيرة تضمن للاستعمار كثيرا من مصالحه وتخلق له شروطا مناسبة لوجوده واستمراره ..

وسنرى رأي محمد عبده في هذه المدارس.

تقدم أن أشرنا إلى أن محمد عبده لم يكن يرى في السياسة وسيلة مجدية لإصلاح العالم الإسلامي، وانما ألح على الاهتمام بالتربية والتعليم لتكوين الفرد المسلم الصالح ذي الإرادة القوية والوجدان الحي وبذلك نضمن وجود مجتمع سليم من الأمراض، تسند إليه أموره، وتفوض إليه بعد ذلك شؤون حكمه ودولته، فيتصرف بوعي ويسير على هدى، ويقلل من الأخطاء ما أمكن، لأن خطواته تتحرك حينئذ وفق الفكرة الحية الناضجة، والبصيرة الموفقة الثاقبة، غير أن هذه التربية وذلك التعليم يجب أن لا يسندا إلا للأيادي الأمينة، والشخصيات التي تعتقد ما تعتقده الأمة، وتعيش مشاكلها، وتتبنى آمالها وأحلامها، وتتجاوب مع وجدانها، وتحس بإحساساتها، لأن التربية ليست علما يلقن، ولا قواعد تعلم، ولا قوانين تلقى، وإنما هي تفاعلات نفسية متبادلة، وتأثيرات وجدانية تتسرب من (المعلم) إلى التلميذ بكيفية ما، وتحت شروط خاصة، وغالبا ما يكون ذلك في جو لا شعوري، فالمعلم بسلوكه وحركاته ومواقفه وآرائه، ورضاه وغضبه وتصرفاته يمثل الفكرة الحية المؤثرة التي تملك القدرة على اختراق الآفاق النفسية والشعورية، والنفاذ إلى أعماق الطفل، إلى عقله الباطن فتخلق فيه عواطف ونزعات، وتكون فيه ميولات، ومن ثم تحدد له - نفسيا - كثيرا من المواقف والمسالك في الحياة، ويختلف التأثير باختلاف شخصية الأستاذ، فهناك من يستطيع الاستيلاء على إرادة (التلميذ) والتصرف في إحساساته وعواطفه، والتأثير في اتجاهاته وأفكاره ..

فالمعلم في الأمم المتحضرة عامل فعال في نهضة الأمة وتطويرها وعظمتها، ولهذا عندما سئل أحد قادة أروبا عن سر تقدم أمته وأمجادها قال:"المدرسة"، والحق أن جاجارين وصاروخه ليسا سوى دليلين واضحين على النجاح الخارق للمدرسة السوفياتية: المدرسة من روضة الأطفال إلى الأكاديمية ومراكز البحوث الهامة، (فالفكرة) والحزم في تطبيقها على أسس تربوية علمية منبثقة من طبيعة الفكرة، والنزعة العلمية في معرفة منبثقة من طبيعة الفكرة، والنزعة العلمية في معرفة الأخطاء وتلافيها، كل ذلك أعطى للنهضة الاشتراكية مفهومها الفعال .. تلك النهضة التي شيدها أبناء"المدرسة"ففي المدرسة يتقرر مصير الأمة ويصنع مستقبلها، فإما إلى الصدارة أو القبر.

والاستعمار يعلم حق العلم قيمة المدرسة في حياة الأمم الحضارية، وخطرها على وجوده واستمراره، ولذلك فإنه جعل"المدرسة"ميدان صراع خطير في البلاد المتخلفة ..

وليضمن الاستعمار نجاح مشروعه في الميدان الثقافي يعمل على:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت