فهرس الكتاب

الصفحة 2874 من 5287

دعوة الحق، س.4، ع2 /نونبر 1960 ص70

شؤون إفريقية: العالم العربي والأوضاع الجديدة في إفريقيا

للأستاذ: المهدي البرجالي

كانت السنة الماضية بحق سنة تحرر القارة الإفريقية، فقد انتقلت فعلا مختلف الأوضاع السياسية التي كانت تسود القارة السوداء ولم يعد في مستطاع الاستعمار الغربي -وليد حركات الغزو والتوسع خلال القرون الأخيرة- لم يعد في مستطاعه أن يحتفظ بوجوده المباشر إلا في أجزاء قليلة منها هي على عتبة التحرر الآن.

وإذا كانت موجة الحرية في إفريقيا قد ساعدت هكذا على تقليص رقعة التوسع الغربي بل والإجهاز عليه إجهازا حاسما فإنها قد أعانت - إلى جانب كل ذلك- على بروز كثير من المعطيات الهامة في العالم الدولي وساهمت في امتداد رقعة الحرب الباردة بين الشرق والغرب أحيانا وبين الدول الصناعية والتجارية الكبرى في العالم أحيانا أخرى وذلك لما هو محتوم من اشتداد التنافس والتزاحم بين هذه الدول على الاستفادة من الأوضاع الجديدة في القارة واستقاء النفع من الاستقلاليات الإفريقية الناشئة.

والواقع أن اشتداد المنافسة الدولية حول افريقيا ليس شيئا غريبا أو مفاجئا، فقد كان من المتوقع جدا -والقارة على عتبة عهد جديد- أن تصبح ميدان سباق دولي حاد وذلك بالنظر لما تنطوي عليه من إمكانيات مادية ضخمة وما تكتسيه من أهمية موقعية واستراتيجية بعيدة المدى بالإضافة إلى ما يتوفر عليه سكانها من استعدادات فريدة في مجال الصراع الفكري والمذهبي العالمي.

لهذا كان طبيعيا إذن أن يحتد التنافس الدولي من جديد حول قارتنا الفتية وإن كان هذا التنافس لا يتخذ اليوم سبيلا له حركات الفتح والغزو كما كان الشأن خلال القرون الأخيرة يوم كانت القارة مرتع السباق التسلطي الحاد بين دول الاستعمار الغربي كفرنسا وانجلترا والبرتغال وألمانيا وإيطاليا وغيرها، إن التسابق الدولي الحالي حول إفريقيا يستمد أهدافه ومظاهره من الحقائق البارزة التي تنطبع بها الحياة الإفريقية الحديثة ومن طبيعة الجو الدولي الحاضر وظروفه وملابساته.

ويتجلى من استقراء كل ذلك الظواهر الآتية:

1)ارتكاز التدخل الأجنبي الجديد في افريقيا على أساليب الغزو الفكري والمعنوي ووسائل الاستغلال الاقتصادي غير المباشر.

2)ظهور قوى دولية جديدة في الميدان الإفريقي كاليابان والصين الشيوعية وغيرها.

3)بروز نوع من التدخل الدولي يمكن أن نسميه بـ «التسللي» ذلك الذي تمارسه إسرائيل منذ سنوات على أوسع نطاق ممكن وتنفذ بواسطته إلى آفاق اقتصادية واسعة في قلب إفريقيا.

ولكن هل يكتسي التنافس الدولي حول إفريقيا صبغة التدخل الواقعي بما لهذه الكلمة من مدلول سياسي مألوف؟ هل يجوز أن نسمي الارتباطات الدولية الحالية بإفريقيا تدخلا مباشرا في شؤون القارة وإلى أي حد يجوز لنا أن نقول ذلك؟

ليس من الإنصاف أن ندرج في مفهوم التدخل الأجنبي كل ما يتم في القارة من نشاط دولي عادي أو له أهداف عادية مألوفة، وإذا جازلنا -على العكس-

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت