فهرس الكتاب

الصفحة 874 من 5287

دعوة الحق، س.2، ع3 /دجنبر 1958 ص 38

بقلم: محمد برادة

ظاهرة تستحق التعليل تلك التي تطالعنا عندما تقرأ عن حظوة الشاعر النصراني أبي مالك غياث بن غوت، والشعر الذي هجا به الأنصار ن وتشبته بشرب الخمرة ووصفها، وتفضيلها على ملك أمير المؤمنين.

وأظن أننا باستقراء الحوادث التاريخية وقصائد الأخطل بن عبد المالك، نستطيع أن نجد نوعا من (الطبيعة) في هذه الظاهرة .. إلا أن سؤالا يفرض نفسه علينا ـ خاصة بعد الإطلاع على حياة عبد الملك بن مروان قبل خلافته وبعدها ـ وملاحظة التغير المتناقض الذي طرأ على نفسيته بعد أن تسلم الملك ـ .. هذا السؤال هو:

أيهما أقوى: الواقع أم المثل؟ واقع الحياة وتحكم الظروف، أم المثل التي ينسجها الإنسان بعيدا عن الفعل والعمل قبل أن ينغمر في دنيا الناس؟

ومهما يكن الجواب عن هذا السؤال ـ ولعل هذا بعيد عن ميداننا ـ فإن علاقة عبد الملك بالشاعر النصراني هي في جوهرها تشخيص لأحدى الحالات التي ينتصر فيها الواقع على المثل.

نستطيع أن نتخيل عبد الملك بن مروان في بلاطه بدمشق، مساء إحدى الأيام، وقد تصدر المجلس، وسمح للشعراء بالدخول ليسمعوه مديحهم .. وتقدم الأخطل فطلب منه عبد الملك أن ينشده فأجاب:

ـ يبست حلقي فمر من يسقيني

ـ اسقوه ماء

ـ شراب الحمار، وهو عندنا كثير يا أمير المؤمنين

ـ فاسقوه لبنا

ـ عن اللبن فطمت

ـ شراب المريض

فقال عبد الملك وقد نفذ صبره: فتريد ماذا؟

ـ خمرا يا أمير المؤمنين

ـ أو عاهدتني أسقي الخمر لا أم لك، لولا حرمتك بنا لفعلت بك وفعلت

ويستمر صاحب الأغاني فيقول:(فخرج، فلقي فراشا لعبد الملك فقال: ويلك أن أمير المؤمنين استنشدني وقد ضحل صوتي، فاسقني شربة خمر، فسقاه فقال: أعدله بآخر فسقاه آخر فقال: تركتها يعتر كان بطني، اسقني ثالثا فقال: تركتني امشي على واحدة، أعدل ميلي رابع، فسقاه رابعا، فدخل على عبد الملك فأنشده:

خف القطين فراحوا منك أو بكروا

وأزعجتهم ثوى في صرفها غير

فقال عبد الملك ك خذ بيده يا غلام فأخرجه، ثم ألق عليه من الخلع ما يغمره، وأحسن جائزته، وقال: إن لكل قوم شاعرا، وإن شاعر بني أمية الأخطل).

فما هي الظروف التي مكنت لشاعر مسيحي أن يطلب من أمير المؤمنين أن يسقيه خمرة في مجلسه، والتي سمحت له «أن يجيء وعليه جبة خز وحرز حز، في عنقه سلسلة ذهب، تنفض لحيته خمرا حتى يدخل على عبد الملك بن مروان بغير إذن؟»

إن الجواب على هذا السؤال يقتضي منا الرجوع إلى التاريخ. وأول ما نلاحظه أن عبد الملك ثاني خليفة بعد انتقال الملك من فرع السفيانيين إلى المروانيين، ويوم تسلم الخلافة كانت المعارضة على أشدها يقودها عبد الله بن الزبير في الحجاز، وأطراف المملكة مهددة من طرف البيزنطيين والفرس .. وإذن فالبركان كان ينذر بالانفجار في كل حين، فكانت الظروف تفرض على عيد الملك أن يعمل علة قمع كل معارضة ليعيد الطمأنينة إلى المملكة الفنية .. وفي مثل هذه الظروف تكون كل مساعدة يتقدم بها الآخرون مقبولة. وقد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت