فهرس الكتاب

الصفحة 875 من 5287

أبدت قبيلة تغلب استعدادها عبد الملك كما نضرت أباه في وقعة مرج رهط، فقاومت معه الكيسيين (لأن ذلك يوافق مصالحها كما سنبين فيما بعد) وساعدته في القضاء على الثورات الداخلية. وقد حفظ لهم عبد الملك هذا الجميل، فعاملهم معاملة حسنة، وتسامح معهم في الناحية الدينية إلى أبعد حدود التسامح.

والأب لاما نس يعلل هذه الظاهرة بقوله: «يجب أن نعترف بأن هؤلاء الملوك (يقصد الأمويين) يظهرون في التاريخ الإسلامي كظاهرة تستحق التعليل، فكل أجدادهم وأخبار عائلتهم تشارك لتجعل منهم مسلمين جد فاترين .. فأبو سفيان والد مؤسس هذه الملكية، قد حارب محمدا حربا شعراء، وأخر انتصار الإسلام عشرين سنة» .

فهو يرجع تسامح الأمويين مع القبائل المسيحية إلى كون تاريخهم القديم موصوما بالمعارضة الشديدة للإسلام وإلى أن أثر ذلك كامنا حتى ظهر حينما تقلدوا أمور الحكم ..

وأرى أن هذا التفسير غير مقنع، فقد يكون من العقول أن يعارض أبو سفيان النبي في أول دعوته، لأنه أتى بعقيدة جديدة، والعربي أشد ما يكون إخلاصا لتقاليده ومعتقداته، فمقاومته لدعوة الني في أول الأمر كانت رد فعل، وأرى أن موقف الأمويين من المسحيين فرضته عليهم ظروف خاصة يمكن أن يوضحها لنا موقف عبد الملك فقد كان قبل أن يتولى الخلافة في منتهى التقوى والتعبد كما كتب عنه ابن الطقطقي في كتابه «الفخري» : (وكان عبد الملك قبل الخلافة أحد فقهاء المدينة، وكان يسمى حمامة المسجد لمداومته تلاوة القرآن، فلما مات أبوه وبشر بالخلافة أطبق المصحف وقال: هذا فراق بيني وبينك، وتصدى لأمور الدنيا) .

فنحن نرى أنه كان متدينا قبل أن يتولى الخلافة ولكن «أمور الدنيا» وأعباء الحكم هي التي صرفته عن تقواه.

ومما يؤكد هذا ما رواه صاحب كتاب الفخري أيضا (ومن طريف ما وقع في ذلك أن عبد الملك، لما أرسل يزيد بن معاوية الجيش لقتال أهل المدينة وغزو الكعبة، امتعض عبد الملك من ذلك غاية الامتعاض وقال ليت أطبقت على الأرض. فلما صار خليفة فعل ذلك وأشد منه، فإنه أرسل الحجاج لحصار ابن الزبير وغزو مكة) .

فهذا يدلنا على تغير في شخصية عبد الملك، منشأه الظروف الجديدة التي أصبحت تحيط به: فهو جالس على عرش مهزوز، وفي سبيل تدعيم أركانه استباح أن يهاجم الكعبة التي هي أعظم رمز عند المسلمين.

سبب آخر جعل (لتغلب) وشاعرها الخطوة عند عبد الملك .. ذلك أن مهمة الشعر في هذه العصور كانت بالغة الأهمية، تشبه بحق ـ كما عبر عن ذلك أحد المستشرقين ـ الصحافة في أيامنا، فالشعر هو الذي يسجل مآثر الخليفة ويشيد بخصاله، فتطير شهرتها في كل البقاع. وعبد الملك كان في أمس الحاجة إلى شاعر يذيع بين الناس أنه أحق بالخلافة من غيره، وأنه أصلح لها من منافسيه. ولعل مسيحية الأخطل كانت تعد ميزة عند ملوك بني أمية، لأن ذلك مما يساعدهم على مهاجمة أهل البيت والأنصار ـ خصومهم ـ الأمر الذي لا يجسر عليه شاعر مسلم، وهجاء الأخطل للأنصار مشهور، خاصة البيت الذي يقول فيه:

ذهبت قريش بالمكارم والعلي

واللؤم تحت عمائم الأنصار

يضاف إلى هذا أن الفرزدق وجريرا وهما أبرز شعراء ذلك العصر، كانا موضع إهمال من عبد الملك (الفرزدق مغرور شديد الاعتداد بنفسه، تياه بنسبه، وعهد الأمويين بتطاوله على معاوية بن أبي سفيان ليس ببعيد، وقد شغل إلى ذلك بمدح ولاة العراق وهجائهم واستنفدت مفاخر قومه مجهوده الشعري، واستغرقت مصالح تميم نشاطه السياسي، فلم يفد على عبد الملك طول خلافته، واكتفى بمدحه في بعض شعره الذي يمثل صلته ببعض العمال ن فلا جرم وقد ابتعد هذا الشاعر الكبير عن مقر الخلافة أن يزداد نجم الأخطل تألقا وبزوغا. أما جرير فكان عبد الملك غاضبا عليه لأن قومه بني يربوع كانوا من دعاة ابن الزبير، ولأنه كان يدافع عن القياسية في شعره ويتغنى بانتصاراتهم ويؤيدهم فيما قاموا به من حروب. وزاد عبد الملك نفورا منه، أنه بالغ في مدح الحجاج مبالغة ضؤلت معها شخصية عبد الملك، حتى تبدى الحجاج وكأنه ملك متوج على العراق، لا وال من قبل الخليفة بالشام) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت