فهرس الكتاب

الصفحة 462 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع11 /مايو 1958 ص 18

خادمان: سارق وعاشق

للأستاذ: عبد الكريم بن ثابث

لست أجهل أبدا أين وقعت هذه القصة، بل أنا اذكر جيدا مكانها وزمانها، بل اذكر جيدا تفاصيلها كأنما أعيشها الآن رغم بعد السنين.

إنها قصة لرجلين يختلفان في المكان ويختلفان في الزمان ويختلفان فوق هذا وذاك في طبيعتهما، وان كانا متحدين في نوع العمل الذي يقومان به ونفس العمر.

ان أحدهما قد عاش في مصر خلال الحرب الماضية ويعيش الآخر الآن في تونس خلال الأزمة الحالية. فهما خادمان كان أولهما عندي حينما كنت طالبا في مصر، ويعيش الآخر معي الآن في الفترة الحالية. ولست في حاجة إلى القسم بأني لم أكن لأتخذ لي خادما إلا لإيماني بقول الشاعر.

الناس للناس من بدو ومن حضر

بعض لبعض وان لم يشعروا خدم

فعلى هذا الأساس كان لي خادم وأنا طالب، بل كان لنا جميعا نحن كتلة من الطلاب، ربطت بيننا وحدة المنشأ والدراسة والمذهب. عشنا زمنا من دون خادم نعاني قلقا مفرطا كلما عدنا من دراستنا زوالا ولم نجد غذاءنا مهيئا، ولم تكن لتجدينا عملية التعاون لتهيئة الغذاء، لأن المسألة مسألة وقت، ولم نكد نخلص من هذه العملية حتى يحين وقت الدرس، وإذا بنا نهرول حتى نتأخر عنه، وهكذا عشنا فترة قلقة اضطرتنا إلى أن نذهب إلى مكتب التخديم ليبعث لنا من يخدمنا. وشاءت الصدفة أن أكون في البيت يوم العطلة بعد الزوال لاستقبل هذا الشاب الصعيدي الذي لا يتجاوز سنه الخامسة والعشرين، لقد كان رث الثياب شديد السمرة، ولكن تبدو في محياه انطلاقة المرح والبشر التي يبدو أنها من مميزات أبناء الصعيد.

كنت جالسا في شرفة المنزل أدخن هائما حينما قدم لي نفسه من غير سؤال: إن اسمي محمد، أرسلني مكتب التخديم حسب رغبتكم. أليس كذلك؟ وكنت لا أزال أدخن هائما وإذا به يفاجئني قائلا: (صح النوم يا بيه!) ودهشت فلم أكن انتظر من خادم لم يخدم بعد، هذا الانطلاق لأول مرة أراه فيها، وكأنما هو زميلي منذ صباي ورفيقي في المكتب. ولم ألمه غير اني بدأت أسأله الأسئلة الاعتيادية في مثل هذه الحالة، قلت أين كنت تشتغل قبل أن تتعطل عن العمل؟ قال عند فلان بك، قلت ولماذا خرجت من عملك. قال: لأني سارق. وهنا لم أستطع ضبط أعصابي، قلت كيف؟ أسارق أنت وتريد أن تعمل عندنا؟ أمجنون أنت؟ كان يتحدث ببرود وعلى شفتيه ابتسامة الرضى والاطمئنان ثم زاد فقال:

كل الذين كنت أعمل عندهم كنت أسرقهم، لأنهم كانوا يمنحونني مرتبا زهيدا، وأنا أدخن، ولا أجد الكفاية لشراء السجائر. قلت كم المبلغ الذي كنت تتقاضاه. قال عشرين قرشا-وكم تريد أن نعطيك قال ثلاثين قلت وإذا منحناك هذا القدر أتثوب عن السرقة؟ قال نعم، وصمتت أفكر في هذه الجرأة ولم أكن لاسميها وقاحة، لأن أسلوب أدائه كان في غاية الرقة واللطف. صمتت أفكر في احتياجنا إلى خادم، وفي مشكلة السرقة. وإذا به يكفيني مؤونة التفكير حينما فتح فمه لقراءة سورة البقرة. فانتفضت مندهشا قائلا في نفسي: ما هذا أصوت إنسان هذا أم صوت ملاك؟ لأنه لم يكن يملك صوتا جميلا فحسب، بل صوتا سماويا لا شبيه له بين أصوات البشر الجميلة، لقد ملك علي لبي وأحاسيسي. لم استطع أن أخرج من القيد الذي وضعني فيه بصوته الساحر، فلما انتهى من السورة رجوته أن يقرأ أيضا، وهكذا كلما أنهى سورة رجوته في قراءة أخرى، وأنا انتظر مقدم الأخوان ليشاركوني إعجابي. وحينما وصلوا أخبرتهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت