فهرس الكتاب

الصفحة 463 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع11 /مايو 1958 ص 19

خبره، فاتفقوا جميعا على أن لا حاجة لنا بخادم سارق، قلت لهم لي رجاء واحد وهو أي تتمتعوا ربع ساعة بصوته الجميل قبل أن تطردوه، فوافقوني، وفتح محمد الصعيدي فمه، وبدأ يتلو سورة «ياسين» وبدأ كل منا ينظر إلى الآخر في اندهاش، انه آية في الإبداع والروعة والجمال. ولما انتهى من التلاوة اتفق الجميع على أن يبقى، ونسى الجميع أنه سارق. وهكذا ظل محمد الصعيدي يسرقنا ويتلو القرآن. فينسينا سرقته شهورا عديدة، حتى توثرت أعصاب احد الزملاء يوما فطرده في غيبتنا.

وشاءت الصدفة أن يكون لي في تونس خادم آخر اسمه محمد، انه في مثل سنه، لا يختلف عنه كثيرا، شاب وديع لين أمين يعمل كل شيء يتعلق بالبيت من غسل وكي وطبخ، عيبه أنه لا يبتسم قط، تبدو على محياه دائما كآبة ومسحة من الحزن العميق، وبعد أسبوعين فقط من عمله دخلت البيت فوجدته يبكي مثل الطفل الصغير، يبكي بصوت تخنقه العبرات، فهالني ما رأيت وتعبت معه لكي اعرف سبب بكائه، ولكنه لا يجيب، ترى أمات أبوه؟ أفقد أمه أو واحدا من أقربائه؟ كنت اردد هذه الأسئلة بخاطري في صمت، وأعود إليه لأسأله مرة أخرى من غير فائدة، وتركته لحاله وانصرفت عنه ومرت بضعة أيام، وإذا بي أعود إلى البيت مرة أخرى فأجده يبكي تماما مثلما وجدته في المرة السابقة. وفي المرة صممت على أن أخرجه من صمته لأعرف سبب بكائه، لقد اتخذت معه أسلوبا آخر فيه شيء من الجفاف، وفعلا نطق، نطق بكلمة واحدة لم يزد عليها «عائشة» وكأنما كان نطقه بهذا الاسم وقودا لناره المشتعلة في صدره، فازداد بكاء كما ازداد التهابا.

قلت له من عائشة هذه وما قصتها؟ فانتفض الرجل الوديع الحيي انتفاضة الطير الذبيح، وبدا يرجوني في حشرجة كاوية، أن أسمح له بالذهاب إلى بيت أمه، لأنه في حالة من التعب والقلق لا مزيد عليهما-فآذنته فانصرف، ودخلت أنا مع نفسي في معركة إلى الصباح. قلت لها أولا: إن العالم بخير ما دام مثل هذا الحب العارم الجارف موجود، ويفرض نفسه، وما دام فيه أفراد يحبون هذا الحب الجنوني العذري البريء، وبدأت أفكر فيما كنت اسمعه عن هذه المرأة من حكايات وقصص، حكايات كانت تقال جزافا وما كنت لأعيرها أي انتباه. فاكره ما يكون على نفسي أن استمع وأنا على المائدة حديثا يتعلق بشؤون الناس الخاصة، حتى الحديث عن الحب العذري-إن صح أن في العالم حبا عذريا- بدأت وحيدا في هذا الليل البهيم العاصف اربط خطوط تلك الحكايات وألم بعضها إلى بعض، تماما كما يفعل هاوي حل الكلمات المتقطعة.

وكان صوت الرياح والرعد والبرق وصوت الأمطار المتهاطلة من كل صوب، يزيد في إذكاء خيالي وإطلاق عنانه: عائشة امرأة لا يتجاوز سنها الخامسة والعشرين، ذكية جدا، سمراء، في محياها ملاحة وعذوبة، فارغة القوام ... اجمع هذه الكلمات لأربط بينها وأكون الصورة الحقيقية لهذه المرأة التي لعب جمالها بلب محمد الخادم الولهان، فإذا بنباح لاكي يزعجني، فأقوم لأطل من النافذة واستطلع ما حولي، فإذا بي لا أجد شيئا عدا أن «لاكي» يمتاز بخيال وقاد يصور له اهتزاز ظلال الأشجار في الضياء أشخاصا يودون اقتحام البيت، وأداعب «لاكي» زمنا ليريحني من ضجيجه، ثم أعود لأتمم ما اجتمع من الصور: عائشة خفيفة الروح لها ابتسامة تقطر حلاوة، خادمة كبقية الخادمات، ولكن لها اعتزازا بنفسها وكرامتها، أمينة ومتدينة، قابلها مرة في أحد المنازل، وعملا معا في حفلة عرس، فتحابا، ولعل صفات الخير والفضيلة التي تتحلى بها روحاهما ربطت بينهما بهذا الرباط القوي، وجعلت كلا منهما يهيم بالآخر، غير أن الأقدار فرقت بينهما، فاضطرت هي إلى الهجرة إلى بلادها لوفاة والدها، لأنها الوحيدة المسؤولة عن إخوتها الصغار. على أمل أن ترجع إليه بعد حين، واضطر هو المسكين أن ينتظرها بفارغ الصبر هذا الزمن الطويل. انه يواصل الليل بالنهار والنهار بالليل، هذا الألم الدفين الذي يقض مضجعه وهذا الأسى العميق الذي يهد كيانه، وبين الحين والآخر تنفذ عنده طاقة الصبر، فينطلق يبكي كالطفل الرضيع.

وهكذا لم يعد محمد المسكين يتقن أي عمل يعمله بعد أن كان مثال الإتقان، بل أصبح كهفا مليئا بأفاعي الهوس والحيرة والجنون، ينتظر الحبيب الغائب أن يعود. وهل يعود؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت