دعوة الحق، س.1، ع2 /غشت 1957 ص 31
للأستاذ: عبد القادر الصحراوي
استعرضنا في الفصل السابق بعض ما أمكننا الوصول إليه من النصوص التاريخية الواردة في موضوع استنجاد صلاح الدين الأيوبي بيعقوب المنصور، وهي تتلخص في أن صلاح الدين في غمرة الحروب الصليبية، وعندما كان محاصرا للإفرنج الذين كانوا بدورهم محاصرين للمسلمين في عكا، استنجد بالملك المغربي يعقوب المنصور، فلم ينجده، لأن صلاح الدين لم يخاطبه في كتابه بأمير المؤمنين، ووعدنا أن نعود إلى الوراء قليلا لنشرح ظروف هذه الحادثة التاريخية، وملابستها، ولنلقي عليها ضوءا أكثر ولنقول رأينا في هذه الحروب التي عرفت في التاريخ باسم الحروب الصليبية:
فلنعد إلى الوراء إذن، ولنبدأ الرحلة من حيث كان يجب أن تبدأ، من مدينة كليرمونت في الجنوب الشرقي من فرنسا، وفي اليوم السادس والعشرين من شهر نونبر عام 1095 ميلادية.
نحن الآن في مدينة كليرمونت، نستمع إلى أعظم خطبة في تاريخ الإنسانية، خطبة يلقيها رجل من رجال الدين لا ليدعو الناس إلى السلام، ولا ليدلهم على الطريق إلى الله، ولكن ليعلن بها رسميا مولد حرب عالمية عاتية، تستمر مائة وستا وتسعين سنة، من سنة 1095 إلى سنة 1291.
ذلك الرجل هو البابا أربانوس أو [أوربانوس] الثاني، وهؤلاء القوم المحيطون به، يستمعون إلى خطبته، فيصمتون أحيانا كأنما على رؤوسهم الطير، ويتشنج بعضهم بالبكاء، ويغلي حماس بعضهم الآخر، فيرفع عقيرته بالهتاف والوعيد والإنذار، هؤلاء القوم هم خليط من السوقة، والأشراف، والأمراء الإقطاعيين، يحلم بعضهم بالمغفرة، ويحلم بعضهم بالغنى والفتح، ويحلم بعضهم الآخر بمغامرات ينسى فيها بؤسه وفقره ومشاكله، فلنستمع مع هذا الخليط إلى البابا أربانوس ولنتخذ من خطبته هذه نقطة انطلاق لموضوعنا الذي نريد أن نعالجه:
(أيها الجند المسيحيون، لقد كنتم دائما تحاولون من غير جدوى إثارة نيران الحروب والفتن فيما بينكم، أفيقوا فقد وجدتم اليوم داعيا حقيقيا للحرب.
لقد كنتم سبب انزعاج مواطنيكم وقتا ما، فاذهبوا الآن وأزعجوا البرابرة، اذهبوا وخلصوا البلاد المقدسة من أيدي الكفار.
أيها الجند، أنتم الذين كنتم سلع الشرور والفتن، ألا هبوا وقدموا قواكم وسواعدكم ثمنا لإيمانكم.
إنكم إن انتصرتم على عدوكم كانت لكم ممالك الشرق ميراثا، وإن أنتم خذلتم فستموتون حيث مات اليسوع، فلا ينساكم الرب رحمته، فيحلكم محل أوليائه.
هذا هو الوقت الذي تبرهنون فيه على أن فيكم قوة وعزما وبطشا وشجاعة، هذا هو الوقت الذي تظهرون فيه شجاعتكم التي طالما أظهرتموها في وقت السلم، فإذا كان من المحتم أن تثأروا لأنفسكم، فاذهبوا الآن واغسلوا أيديكم بدماء أولئك الكفار.