فهرس الكتاب

الصفحة 955 من 5287

دعوة الحق، س.2، ع4 /يناير 1959 ص 31

تكلمنا في الحديث السابق عن زكاة الأموال وجلبنا آراء جماعة من الصحابة، فمن بعدهم الذين يرون وجوب الزكاة في الأموال المستفادة وقت استفادتها من غير اشتراط مرور العام عليها وهي في ملك صاحبها، وبيننا كيف يطبق ذلك أكربة الديار والحوانيت والفنادق وأجور الموظفين ومئونة الجيوش كما كان معاوية يأخذ الزكاة من أعطيتهم. ونقلنا قول شيخ الإسلام بن تميمة: تجب الزكاة في جميع أصناف الأجرة المقبوضة.

والآن نريد أن نلقي نظرة على جميع ما تبنته الأرض، ولنرى كيف طبق بعض الأئمة نصوص أخذ الزكاة منها، ولا بأس أن نشير مقدما إلى أننا نبحث في إمكانيات أحياء قاعدة الزكاة على أساس عملي دقيق النظام، يتلاءم ويتمشى مع مقتضيات العصر الحاضر، ويمكن لأمم الإسلامية كافة أن تسير عليه، وتتجنب طرق الجباية على غير الطريقة الإسلامية الشرعية. فإن الأمم الإسلامية إذا فعلت ذلك تكون في نظامها الجبائي رأسا لا ذنبا، وتحيي قاعدة من قواعد الإسلام الخميس التي بنيت عليه حياتنا الاعتقادية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها ما يتأهز أربعة عشر قرنا من السنين، ولما أسلفناه سوف لا أقتصر في إلقاء هذه النظرة على ما يفهم من النصوص الشرعية مذهب معين، فربما يوجد في رأي بعض الأئمة من ألفهم الدقيق للنصوص ومقتضيات الأحوال، وما لا يوجد في رأي الجماعات الأخرى.

فقد وردت آيات وأحاديث في الزكاة ظاهرة في العموم، وردت بعض الأحاديث مختصة ببعض الأشياء فاختلف الأئمة في فهمها، فمن الآيات العامة قوله تعالى مخاطبا رسوله الكريم: «خذ من أموالهم صدقة تطرهم وتزكيهم بها وصل عليهم، إن صلواتك سكن لهم» وهذا يشمل كل مال وهو ما بعد للانتفاع به من الطيبات الطاهرة، من الحبوب والفواكه والماشية والذهب والفضة وغير ذلك، كما يعم الأشخاص صغارا وكبارا وذكورا وأنانا. وصح وثبت عن النبي (ص) قوله فيما سقت السماء العشر، أي كل نبات أو ثمر سقته السماء أي نزل عليه المطر فسقي به فيؤخذ منه الشعر على وجه فريضة الزكاة. وصح وثبت عن النبي (ص) قوله: ليس فيما دون خمسة أوساق من حب أو تمر صدقة ولا فيما دون خمس من الإبل صدقة. فحمل جمهور كبير من الأئمة هذا الحديث الأخير على أن النبي نفى الصداقة عما عدا الحب والتمر فيما يتعلق بالنبات، واشترط في وجوب الزكاة في الحب أوساق أي أحمال من أحمال الإبل وهي معروفة عند العرب. والحق بعض الأئمة بالحب والتمر ما يبقى في أيدي الناس أي ما يدخر على طريق القياس فيما يظهر، قال أبو سيف صاحب أبي حنيفة حسبما في مؤلفه الشهير كتاب الخراج: ولست أرى العشر إلا على ما يبقى في أيدي الناس ليس على الخضر التي لا بقاء لها ولا على الأعلاف ولا على الأعلاف ولا على الحطب عشر. والذي لا يبقى في أيدي الناس هو مثل البطيخ والقناء والخيار والقرع والبادنجان والجزر والبقول والرياحين وأشباه ذلك فليس في هذا عشر.

وأما ما يبقى في أيدي الناس مما يكال بالقفير (1) ويوزن بالأرطال، فهو مثل الحنطة والشعير والذرة والأرز والحبوب والشهدانج واللوز والبندق والجوز. والفستق والزعفران والزيتون والقرطم والكراويا والكمون والبصل والثوم وما أشبه ذلك.

أما الإمام أبو حنيفة فيظهر أنه يفهم الزكاة على أنها حق لله في كل ما يحتمل المواساة من إنتاج الأرض، فقد نقل عنه تلميذه أبو يوسف أنه كان يقول في كل ما أخرجت الأرض من قليل أو كثير العشر إذا كان في أرض العشر وسقي سبحا ونصف العشر إذا

(1) أي بوعاء خاص، ويطلق القفير على الزنبيل والجواب، هذا أن لم يكن محرفا عن القفيزو هو مكيال معلوم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت