فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع3 /شتنبر 1957 ص27

للأستاذ: محمد الطنجي

إن مكارم السلف تنير طريق المجد للخلف وتحمل كل كريم المحتد على اقتفاء أثرهم واستكمال خصال مجدهم وشرفهم، وهذا ما حدا بي إلى الكتابة حول مواقف ولاة الحرم من حجيجه عبر التاريخ، إذ تلك النكت تكشف لنا عن التقاليد الإسلامية والعربية في هذا الموضوع، حتى نعلم ما يليق أن يعامل به حجاج بيت الله وفق ما توحي به التقاليد المجيدة، وبما أن الكتابة لمجلة سيارة لا تحتمل تسجيل كل مواقف ولاة الحرم، فسأكتفي بالإشارة إلى نقط بارزة في الموضوع، واللبيب تكفيه الإشارة كما يقولون.

من الأخلاق الشائعة في العرب قبل مجيء الإسلام سرعة الانفعال والأنفة من الضيم ومن كل ما يعد ماسا بالكرامة، حتى أن بعضهم كان يئد بناته خوف العار والفضيحة والسبي. ومن طبعهم تعصبهم للقبيلة التي ينتسبون إليها، ورغبتهم في نصرتها ظالمة كانت أو مظلومة، وكثيرا ما شبت الحروب بينهم لأتفه الأسباب نتيجة الدعوة القبلية، وقد نهاهم النبي عنها فقال: (دعوها فإنها منتنة) ، إلا أنهم مع ذلك فيهم خصال الوفاء والكرم وحماية الجوار، ورغم أنهم لم يكن لهم نظام ثابت للحكم، فقد عظم الله في قلوبهم حرمة البيت حتى كان من التجأ إليه آمنا، وتعاهدوا في حلف الفضول على نصرة كل مظلوم في مكة، وزين الله في قلوبهم حرمة زمان اعتمار البيت وحجه، حتى جعلوا أربعة أشهر من كل عام أشهرا حرما لا تقع فيها حرب ولا يؤخذ فيها بثأر، ومن كان بعيدا عن الحرم وأراد اللجوء إليه في مدة الأشهر الحرم أمكنه ذلك، فكان الأمن عاما في هذه الأشهر، وحرية التنقل مضمونة بإقرار هذه القاعدة لكل فرد، وإقامة شعائر الحج في البيت العتيق -على ما كان فيها من الشرك ومجافاة الآداب- متيسرة لكل قاصد، بل كان ولاة الأمر في الجاهلية والإسلام يعتبرون حجاج البيت ضيوف الله نزلوا على أهل حرمه، فكانوا يسقونهم ويطعمونهم ويهيئون لهم المأوى للإقامة حتى يتفرغوا لإقامة شعائر الحج ومناسكه، وشأن طعامهم وشرابهم ومأواهم موكول إلى الولاة القائمين على أمر هذا البيت العتيق، قال عبد الملك بن هشام المتوفى بمصر سنة 213 هجرية في سيرته النبوية: (وكانت الرفادة خرجا تخرجه قريش في كل موسم من أموالها إلى قصي بن كلاب(أحد أجداد النبي) ليصنع به طعاما للحاج فيأكله من لم يكن له سعة ولا زاد، وذلك أن قصيا فرضه على قريش فقال لهم حين أمرهم به (يا معشر قريش إنكم جيران الله وأهل بيته وأهل الحرم، وإن الحجاج ضيف الله وأهله وزوار بيته، وهم أحق بالكرامة، فاجعلوا لهم طعاما وشرابا أيام الحج حتى يصدروا عنكم) ، ففعلوا فكانوا يخرجون لذلك كل عام من أموالهم خرجا فيدفعونه إليه فيصنعه طعاما للناس أيام منى، فجرى ذلك من أمره في الجاهلية على قومه حتى قام الإسلام، ثم جرى في الإسلام إلى يومك هذا، فهو الطعام الذي يصنعه السلطان كل عام بمنى للناس حتى ينقضي الحج)

أما فيما يتعلق بمأوى الحجيج زمن الحج فقد كانت في عهود الإسلام الأولى نفس دور مكة تمتلئ بالحجيج فيشاركون ساكني مكة في سكناهم مدة الحج، فقد قال أبو بكر بن العربي في كتابه (أحكام القرآن) : روى علقمة بن نضلة قال: توفي النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وما نرى رباع مكة إلا السوائب، من احتاج سكن ومن استغنى أسكن، وقد نقل ابن العربي حق المشاركة في هذه السكنى بواسطة ابن وهب وابن القاسم عن نفس الإمام مالك لما سئل عن التسوية في قول الله ? ... وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ? [الحج: 25] ، ثم قال ابن العربي: المسألة الخامسة في المعنى الذي فيه التسوية وفيه قولان: أحدهما في دوره ومنازله، ليس المقيم أولى بها من الطارئ عليها، هذا قول مجاهد ومالك كما تقدم وغيره، والثاني أنهما في الحق سواء والحرمة والنسك، والصحيح عموم التسوية في ذلك كله كما قال مالك، وعليه حمله عمر بن الخطاب، فقد روي أنه كان يأمر في الموسم بقلع أبواب دور مكة، حتى يدخلها الذي يقدم فينزل حيث شاء)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت