دعوة الحق، س.1، ع3 /شتنبر 1957. ص26
وتحت ضغط ظروف خاصة، لم يعد المقام في ألمانيا طيبا كما كان من قبل بالنسبة للدكتور تقي الدين، وحل في هذه الأثناء بألمانيا مفتي فلسطين السيد أمين الحسيني، فساعد الدكتور تقي الدين على السفر إلى الجزء الشمالي من المغرب، واشترط عليه الاسبانيون لكي يسمحوا له بالمكث في تطوان - بعد أن سحبوا منه جواز السفر- ألا يذيع أو يحاضر أو يكتب شيئا إلا بعد اطلاعهم عليه، كما أفهموه أنه لا يستطيع أن يكتب حتى باسم مستعار وإلا كان معرضا لأقسى العقوبات.
مكث الدكتور تقي الدين في تطوان إلى سنة 1947 ثم سافر إلى العراق وعين أستاذا في كلية الملكة عالية أولا، ثم في كلية دار المعلمين العليا ببغداد، حيث ما زال يتابع عمله إلى الآن.
سألت الدكتور تقي الدين: ما هي الإرشادات التي ترغبون في توجيهها إلى القراء، وإلى الشباب بوجه خاص، فأجاب: أولا التمسك بالإسلام. إن التدين لا يعني التأخر أو الرجعية أو ما إلى ذلك من هذه الألفاظ التي نسمعها تلقى في مجازفة وغير مبالاة، وإذا كان شبابنا يريد أن يزعم أن ألمانيا -مثلا- رجعية أو متأخرة، فإنه حر في ذلك، لكن الواقع يكذبه، إن أحد أبناء الدكتور اديناور راهب معروف، وإن قسم اللاهوت في كل جامعة ألمانية هو أقوى الأقسام نفوذا، وأكثرها تمتعا بالاحترام والتقدير، والأساتذة جميعا يحضرون الصلوات، وكذلك رجال الحكومة، وعلى رأسهم الدكتور اديناور نفسه.
ويجب أن يعلم شبابنا أن حكومة ألمانيا -وهي من أنجح الحكومات- تنتمي إلى الحزب الديموقراطي المسيحي، وهي تحكم ألمانيا منذ سنة 1948، وقد اجتهد الحزب الديمقراطي الاشتراكي كثيرا لإسقاطها فلم يوفق حتى الآن، وإن كان هذا يدل على شيء فعلى مقدار تدين الشعب الألماني، وحرصه على حكومته المتدينة.
على أن تغلغل الروح الدينية في الشعب الألماني لا يحتاج إلى دليل؛ إن كل متجول في ألمانيا يلحظه بسهولة، يلحظه في إقبال جماهير الشعب على الكنائس في أيام الآحاد وفي غير ذلك من المظاهر الدينية الأخرى.
ثانيا: أنصح لكل طالب مغربي يفكر في السفر إلى الخارج لإتمام دراسته، ألا يتوجه إلى الشرق العربي إذا كان يرغب في دراسة العلوم التطبيقية التجريبية، من طب وهندسة وصيدلة وما إلى ذلك، بل يتوجه إلى إحدى العواصم العلمية الأوربية، كما أوجه النظر إلى أنه ينبغي أن يكون لنا في كل عاصمة علمية لنا فيها طلبة، مشرف عليهم معين من طرف وزارة المعارف، وذلك كما هو الشأن مع كل البعثات العلمية.
ثالثا: أفضل بدل بعث الطلبة إلى الجامعات في الخارج تأسيس جامعة في المغرب، واستدعاء الأساتذة إليها من مختلف العواصم العلمية في العالم. وهكذا لا تكون الفائدة مقصورة على الطالب وحده وإنما تتعداه إلى خلق جو علمي تستفيد منه البلاد كلها. وبعد انتهاء الدراسة الجامعية يكون الطالب قد نضج عقله، وتم تكوينه، وقل الخوف عليه من المؤثرات الخارجية التي قد لا تكون في صالحه ولا في صالح أمته، وإذ ذاك يمكن بعثه إلى الخارج للتمرين والاطلاع.