فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.1، ع1 /يوليوز 1957 ص13
للأستاذ: مصطفى أحمد الزرقاء
ورد في القرآن العظيم آيات تقسم الناس إلى قسمين: أشقياء وسعداء، وآيات تصف أحوال السعداء والأشقياء ومصيرهم في الآخرة من ذلك قوله تعالى في سورة [هود: 105 - 108]
?يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ؛ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ، خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ. وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ?. والسعادة لغة هي ضد الشقاء. فما هي السعادة وما هو الشقاء في المفهوم الإسلامي؟ إن للناس في تخيل السعادة مذاهب ومقاييس شتى، فالسعادة حالة اعتبارية تصور لها الناس مفاهيم مختلفة متباينة أو متضادة في أفكارهم باختلاف أصنافهم وأمزجتهم ومداركهم، وثقافتهم ومواقعهم في الحياة.
وقد تتبدل وتتغير مفاهيم السعادة وصورها لدى الشخص الواحد في مراحل حياته، تبعا لتبدل أطواره وتطور أفكاره، وتقلب الحوادث عليه.
ومن هنا كانت السعادة هي ذلك المأمول المجهول بين الناس، ومعناها هو الواضح المبهم في مداركهم:
فكل واحد يبتغيها، ويلهج بذكرها، ويقتفى ما يظهر له من آثارها، فإذا وصل إلى المنازل التي تنتهي إليها تلك الآثار وجد أنها غير منازل السعادة التي كان يحلم بها ويتصورها ويسعى إليها، فيرتد كاسف البال، إما يائسا وإما بائسا.
وقد يرى المرء بعض الناس في مظاهر نعمة تنبئ بسعادتهم، فإذا اطلع على المخبأ من أمرهم وهمومهم، أو وصل إلى مثل حالهم، وذاق ما فيها من مكدرات الصفو ومنغصات الحياة، عرف أن وراء الأكمة ما وراءها، وأن السعادة لا تزال محتجبة عنه في خبائها، معتزة بخفائها.
وفي الغالب يكون لمفهوم السعادة في نظر الإنسان ارتباط وثيق بالمثل العليا التي يطمح إليها في حياته، ولكنها ليست هي إياها، فقد يطمح الإنسان إلى أهداف مغريات من حكم وسلطان وجاه ومال، وإن كان لا يعتقد أنه يكون سعيدا بها، وإنما يهواها استجابة لأقوى شهواته وأشدها ظمأة.
ولعل مفهوم السعادة من أبرز الأمور التي يختلف فيها نظر العقلاء والفلاسفة عن نظر العامة والبسطاء، مع تطلع الجميع إليها ونشدانهم إياها، وحرصهم على اكتسابها والتمتع بها.
فالنظر العامي إلى السعادة مادي وطيء قاصر. وأما نظر العقلاء إليها فمثالي عال بعيد.
والنظر العامي إلى السعادة أكثر تبيانا في إدراكها. فهو يقع على صور شتى مختلفة باختلاف أنواع متع الحياة وألوانها، واختلاف الميل والنزعات، لأنه كما قلنا نظر مادي، فهو يمزج بين معنى السعادة وهناءة العيش، فاللون الذي يروقه من ألوان تلك الهناءة يرى فيه السعادة، ومن ثم كان كل إنسان يرى صورة السعادة المنشودة إنما هي في تحقيق هواه. فتختلف تلك الصور لهذا المفهوم الواحد باختلاف الأهواء، وما أكثر اختلافها وبواعثه.
فالملك مثلا، قد يرى السعادة في أن تدين له البلاد، وتخضع العباد، وتجبى له الأموال في أمان واطمئنان.
والتاجر مثلا قد يرى السعادة وينشدها في تعاظم الأرباح واستمرارها حتى يصبح من ملوك المال.
والمرأة قد ترى السعادة في أن ترزق زوجا ملائما لذوقها مثريا محبا مطيعا لها تتحكم فيه وفي ماله، ويسعى إليها برغباتها.
والمريض المبتلى يرى سعادته في عافية لا يشوبها ألم، ولا يحرم فيها شهوة مأكل، أو لذة متعة.
ومحب الوجاهة يرى سعادته في الشهرة الذائعة والجاه العريض.
والمتعب يرى سعادته في حياة راحة ودعة وكفاية.
وهكذا كل إنسان، إجمالا، قد يرى أن أول عناصر سعادته في أن يكون مرفها منعما، موفور المطالب واللذائذ، على اختلاف في أنواع هذه المطالب، بحسب اختلاف الأهواء.
لكن كل هذه المفاهيم خاطئة. وأوضح دليل على خطئها تناقضها في نظر إنسان وآخر.
وقد ضرب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هذه المفاهيم الخاطئة في معنى السعادة ضربة دامغة، بفيصل العقل والدين والنظر الرشيد الذي ينظر إلى الحال والمآل معا، وأقام مفهوم السعادة على أساسين اثنين هما: الكفاءة في الدنيا، والإعداد للآخرة. فقد روي عنه عليه السلام كما أورده السيوطي في الجامع الصغير أنه قال: