فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 5287

«كفى بالمرء سعادة أن يوثق به في أمر دينه ودنياه» .

وبذلك أعطى النبي صلى الله عليه وسلم الناس مفهوما جديدا سديدا للسعادة ثابتا غير متباين الألوان ولا متناقض المعاني، لأنه يقوم على أساس الحقيقة التي من خصائصها الثبات.

فالثقة بالإنسان في أمر دنياه إنما هي بأن يكون قادرا على ممارسة العمل الذي يطلب منه في هذه الحياة الدنيا، وأدائه على أكمل وجه.

فقدرة التاجر تبرز في تجارته، والصانع في صناعته، والموظف العامل في إدارته والسياسي في حزمه وسياسته، والقائد الحربي في حنكته وشجاعته، والمعلم في طريقة تعليمه وتربيته، كل ذلك وأمثاله هو محل الثقة بالإنسان في أمر دنياه.

1 -فإذا لم يكن الإنسان كفيا معتدا به في إصلاح أمر الدنيا، سواء أكان ذلك لنقص في مواهبه وقابليته، أو كان لتقصيره في تجهيز نفسه بدعائم الكفاية ووسائلها، أو كان لعارض آخر مانع له من أن يكون في مصاف من يعتمد على قدرتهم في إجادة العمل فهو ناقص السعادة. أي أن العجز بجميع صوره وأسبابه مخل بكمال معنى السعادة. ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ من العجز وما يؤدي إليه. ففي المأثور من أدعيته الشريفة قوله «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل» .

فالجاهل والأحمق والضعيف والجبان وأمثالهم ليسوا بسعداء، ولو كانوا منعمين مترفين لأن فيهم عجزا.

2 -وإذا كان الإنسان قديرا كفيا مجيدا لما يتولى من عمل، لكنه غير موثوق به فيما يصلح أمر آخرته من إخلاص، وأمانة، وعفة عن المحرمات، وقيام بالأوامر الإلهية التي تهذب الروح وتوجه إلى الكمال الإنساني، الذي يرتبط به أيضا صلاح العمل في الدنيا، أي إذا كان المرء، إجمالا، قويا غير تقي، كان أيضا ناقص السعادة رغم كونه قديرا على عمل دنياه.

وإن السعيد الكامل هو من اجتمع فيه العنصران فكان ثقة في كفايته وفي تقواه، ليكون مصلحا لأمر دينه ودنياه، وبعد ذلك لا عبرة لكونه متعبا في الحياة، أو محروما بعض حظوظ فيها، ولو كانت من الحظوظ المباحة، بل لا بأس أن تذهب نفسه ضحية في سبيل واجبه كالمجاهدين المصابين، والشهداء، فلا يعد هذا نقصا في سعادته، بل بالعكس يعتبر زيادة في مرتبتها. فبالأولى أن لا يخل بحقيقة معنى السعادة كون الإنسان محروما حرمانا جزئيا من بعض متع الدنيا وراحتها.

فالدنيا مرحلة سفر مليئة بالمتاعب والأهوال لا يمكن أن تصفو صفاء كاملا لإنسان. فربط السعادة بصفاء الحياة عبث، لأن هذا الصفاء مستحيل في العادة، فيكون تعليق الأمل به مدعاة إلى الضجر الدائم، ثم إلى اليأس والقنوط، متى فاتت الحظوظ العاجلة المأمولة، التي لن تتكامل لأحد من الناس. وهذا غفلة عن الجانب الروحي في الإنسان، وعن المصير الدائم له بعد هذه الحياة الدنيا، التي هي طريق مؤقتة، لا بد لكل مار فيها من أن يعمرها بالعمل الصالح، وذلك بأن يجتهد في بناء محطات صالحة نافعة لمن يمر بعده، وأن يتدرع في مروره وبنائه بالصبر والقوة والتضحية والأمانة ليكون مثلا حسنا لغيره من المارة يلتمسون السعادة في النسج على منواله.

فالملك أو الرئيس الذي يوثق بحسن قدرته وإدارته وسياسته، من الناحية الدنيوية، وبحسن تقواه وإخلاصه لأمته وإيثاره لمصالحها، من الناحية الدينية، هو سعيد مهما حمل في سبيل ذلك من متاعب النصب.

وكل موظف عامل بالنسبة إلى نوع عمله، إذا حمل هاتين الثقتين فهو كذلك سعيد.

والزوجة إذا كانت ثقة في قدرتها على أداء مهمة العمل في مملكتها الصغيرة البيتية والعائلية، مع التقوى والأمانة والعفة، بحيث ترعى حق نفسها وحق زوجها وحق ربها، هي سعيدة وإن كانت في فقر وكد لا تتيسر لها وسائل الراحة والمتعة على حسب ما تشتهي.

هذا بيان ما يهدف إليه ذلك الحديث النبوي من جوامع كلمه (صلى الله عليه وسلم) : كفى بالمرء سعادة أن يوثق به في أمر دينه ودنياه.

وبذلك قد قلب النبي عليه السلام معنى السعادة الخاطئ رأسا على عقب، ونقلها من مفهوم مادي منحط غير لائق بعقل الإنسان وبعد نظره في الأمور وعمق إدراكه فيها، إلى مفهوم آخر أسمى وأرفع شأنا، وأوسع معنى.

فإن ذلك المفهوم المادي للسعادة يتطلبه الإنسان فيعجزه إدراكه في هذه الحياة المبنية على المتاعب والمصائب فيرى نفسه مغبونا فيعتريه اليأس من السعادة فيقعد به النشاط.

وأما ذلك المفهوم الرفيع السامي الذي بينه النبي عليه الصلاة والسلام فهو يجعل السعادة في متناول يد معظم الناس، إذ يربطها بعمل الإنسان نفسه، واختياره لمسلكه، لا بمواقاة الأقدار الجامحة التي لا يستطيع الإنسان إخضاعها وتسخيرها.

فقد رسم النبي طريقين: أحدهما للسعادة وهو سلوك ما يجعل الإنسان ثقة في دنياه ودينه، وآخر للشقاوة، وهو خلاف ذلك. والإنسان يختار مسلكه منهما. وبذلك يقوى نشاطه وصبره على واجبه، ولو كان فيه مكدودا ومحروما، ما دام يعد به في نظر الناس وعند الله رشيدا سعيدا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت