فهرس الكتاب

الصفحة 490 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع11 /مايو 1958 ص 46

الأستاذ: محمد الحلوي

ليس من شك في أن المخلصين من شباب هذه البلاد والعاملين من أدبائها قد عقدوا القلوب والأيدي لبناء نهضة أدبية تواكب النهضة العلمية والاجتماعية، وتسد الفراغ المخيف الذي نشعر به جميعا، وتحول هذا الركود المطبق إلى حياة دافقة ونشاط فكري رزين ومن واجبنا ونحن نحاول بناء هذه النهضة على أساس صحيح أن تتلافى الأخطاء وتنشد الكمال منذ بداية الطريق وفي جميع المحاولات، وبذلك نستطيع أن نتضافر لخلق أدب مغربي صحيح، وانتاج نظيف يشرف الحاضر ويتلاءم وعظمة الماضي المجيد.

ذكرت بهذا لأني قرأت في العدد العشر من (دعوة الحق) الفيحاء قصيدة للشاعر الأستاذ عبد الكريم التواتي، يرحب فيها بالربيع ومباهجه. وينقلها معه في جو من الزهور والأحلام إلى ربوة الحب مهيبا بالحبيب أن يغوص معه على اللذات ويتركا معا دنيا المضحكات.

وقد وقفت مليا أمامها لأنها شعر ربيع هذا المغرب الجميل الساحر بطبيعته والغني بمفاتنه، وعشت لحظات في أجوائها التي تعج بالطيب والانسام والأحلام والعرائس والخرير والشحارير، وما شئت من هذه الأشياء التي احتشدت متدافعة، فكان تزاحمها على الذهن وتساوقها في اطراد وفي نفس واحد، مضعفا لجمال الصور الشعرية وعاملا في تقلص ظلالها.

قرأتها فوجدت نفسي انساق مع أجراسها الموسيقية، وانساب مع أغانيها وشطآنها، واستهواني-بحق- موكب الربيع تباركه عرائس الجنان، وتضفي عليه من سحرها سحرا ومن شبابها شبابا، تغنيه في إبداع، فيمضي الموكب وفي يمناه نايه السحري، وفي يسراه بسمات الفجر المطلولة. كانت هذه الصورة أجمل ما في القطعة وأبدع ما تفتحت عنه شاعرية الأستاذ ...

وكان إلى جانب هذه الصورة الفنية البديعة-مع الأسف- أبيات فيها عثرات، كنت أتمنى أن يخلو هذا الموكب منها، ليكتمل فيه جمال الفن وحسن الأداء، وكنت أتمنى أن يكون الأستاذ أكثر يقظة وانتباها، فإن لشيطان الشعر كبوات طالما أودت بعباقرة الشعر، فهل يتفضل الأستاذ فيتقبل هذه الملاحظات المتواضعة، ويتسع صدره لمثلها، لست أدري؟.

أحب أن اعرف أولا رأي الأستاذ في كلمة (ثاملات) التي هي أول ما يبدو في مطلع القصيدة، وما الحاجة إلى هذه الألف في مثل هذه الكلمة ... وهو بالطبع سيسلم أنها من (ثمل) كفرح وطرب، ولن يصح أن نقول ثامل، إلا إذا صح أن نقول: طارب، ومن المفيد أن نذكر وجود (ثامل) وهو السيف القديم العهد بالصقل، والبلد الذي يتسع للإقامة ... فالألف كما رأيت دخيلة، ليس في الاحتفاظ بها إلا مخالفة لنصوص اللغة، وليس في الاستغناء عنها ما بخل بالوزن الشعري الذي اختاره لموكبه.

ويتحدث الأستاذ عن خرير النهر في البيت السادس فيقول:

فيسر الشطآن والورد تحايا الربيع في همسات

أي أن الخرير يهمس بتحياته في أذن الشطآن والزهر كما لو كان يلقي إليه بسر، وهو هنا أيضا يتنكب الاستعمال اللغوي الصحيح لكلمة (يسر) فبعديها إلى مفعولين، وهي لم ترد إلا على نحوين أسر السر: كتمه، واسر إليه بالأمر: حدثه به سرا. وجربا مع اللغة التي ينظم بها يجب أن نقول: يسر إلى الشطآن بتحايا الربيع ولكنه لم يفعل.

ويذكر عرائس الجنان وهي تغني للموكب في البيت الحادي عشر فيقول:

ثم غنته في اتساق وإبداع مشوقين آبها المغريات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت