دعوة الحق، س.1، ع11 /مايو 1958 ص 33
للأستاذ: المهدي البرجالي
لم يكن الحديث عن الذرة والطاقة الذرية جديدا على أذهان الباحثين والاختصاصيين في فروع المعرفة المرتبطة بالفيزياء وما إليها، ولكنه كان من المستغلقات المبهمة بالنسبة إلى الجمهور السادر في هذه البلاد أو تلك، بدون استثناء المجتمعات المتقدمة أيضا، على أن الحرب العالمية الثانية وما تمخضت عنه من تقلبات في ميادين العلم والفكر والسياسة كانت في نهايتها إيدانا بانبلاج فجر العصر الذري الذي يتميز بما أضحى للذرة فيه من مقام في تفكير العلماء والجمهور على السواء، مع اعتبار التفاوت طبعا في نوعية التفكير ونتائجه، كان ذلك يوم تفجرت أول مقذوفة ذرية، وأحدثت تأثيراتها المهولة في اليابان سنة 1945.
وفي هذه الحقبة العابرة، تطورت الأبحاث المتعلقة بالذرة، وتشعبت أهدافها وتعددت أشكال الانجازات العلمية التي تنبثق عنها، فكان من ذلك هذا الجو المثقل بالنذر الرهيبة التي تتوعد الحياة على سطح الكوكب بالاندثار، وتترع بالتبعية لذلك، ضمير الإنسان بمختلف الصور المروعة والتخيلات المثيرة المستفزة، فهل هذا كل ما كان يتوكبه (هان) و (شتراسمان) و (ليزميتز) و (فريش) من انجاز وشرح عملية الانفلاق الأول؟ أم أن هناك مؤثرات أخرى كان لها ضلع في ذلك؟ وسواء كان هذا أو عكسه فإن الطاقة الإشعاعية الذرية أو الهيدروجينية أو الكوبالتية قد أصبحت بما لها من فعالية تدميرية هائلة أضخم وسيلة للإعفاء على مظاهر الحياة التي تغمر هذا الكوكب الآهل، فقد انقضى وقت غير يسير منذ أن أعلن أحد العلماء الإثبات في موضوع الإشعاع النووي، أن عشرة قنابل على أساس كوبالتي، كفيلة باحداث أكبر مفعول تحطيمي عرفه العالم، فما السر في هذا؟ لماذا لم يمكن أن تسفر الأبحاث النووية عن نتائج غير هذه النتائج المهولة الرهيبة؟
الواقع أننا ونحن في مطلع العصر النووي، نلحظ أن الجانب السلمي من هذا الاكتشاف لا يعد في شيء أمام التقدم السريع والمدهش الذي أنجز بالنسبة إلى الجانب الحربي التدميري، بل ان هناك مجالا للقول بان التطبيقات السلمية للطاقة النووية لما تعد-إذا قارناها بالمنجزات الحربية الإشعاعية-دور الاحتضان الأول، أما علة ذلك فتؤول- حسبما يبدو- إلى الأصول الآتية:
1)طبيعة الظروف التي حاقت بالانفلاق الذري الأول، وقد كان ذلك يوم نجح العلما (يوم 6 يناير 1939) في تجزئة ذرة الاورانيوم، ونذر الحرب ساعتئذ تخيم على الأفق بالصورة التي لم يكن معها أمام الدول المعرضة للحرب إلا أن تستحث علماءها وخبراءها على توجيه طاقتهم الاستكشافية والإبداعية توجيها يتلاءم وأهداف العراك المترقب حينذاك.
2)حقائق الجو السياسي العام الذي يسود عالم ما بعد الحرب، فقد كشفت حرب سنة 1939 عن كثير من الحقائق البارزة، كان أبرزها هذا التصادم المهول بين النظريات والمذاهب ذات الطابع السياسي والاقتصادي والمبدئي، وقد استتبع هذا أن ذر قرن الارتياب والتوجس، ونمت فروعها مرنقة صفو العلائق العامة بين التكتلات الدولية المتجابهة، ولم يكن هناك مجال-بعد ذلك- لسيادة روح السلام التي كان من المفروض أنها تساعد على الاتجاه اتجاها مسالما في حقل التجارب النووية على اختلاف أشكالها فما مدلول كل هذا؟.