فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.1، ع11 /مايو 1958 ص 34
أنه لا يفعل إلا أن يذكرنا مرة أخرى بمدى هذا التفاوت الواقع بين تقدم الإنسان في الحقل المادي ودرجة ارتقائه في المجال الروحي والأدبي، ان المعضلات الدقيقة التي تثيرها قضية الانشطار النووي ليست إلا تأكيدا جديدا لهذه الحقيقة المسلمة، فهل يعني هذا أننا نوشك أن نكون على شفير الهوة البعيدة القعر، تل التي ينذر بها الجميع ويحذرها الكل؟.
إن الجوانب الظاهرية من الوضع العالمي الراهن قد تثبت ذلك، بل وتؤكده تأكيدا مطلقا، غير أن طبيعة المخاطر التي يشخصها الإشعاع النووي وما يفترض لها من شمول وعموم، قد ساعد على بروز نوع من رد الفعل الإنساني مضاد لهذه الاتجاهات الانتحارية الغربية في استغلال الطاقة المنبثقة عن عملية الانشطار النووي، فلا يزال بعضنا يذكر قصة ذلك الشخص الذي قذف بنفسه من شاهق، حتى يضع حدا للآلام النفسية المبرحة التي كان يشعره بها وجود القذائف ذات الطبيعة الذرية، تلك في الواقع حادثة فردية بسيطة قد يكون باعثها شيئا آخر غير التخوف الطبيعي المعقول، ولكنها-رغم ذلك كانت مثالا بسيطا لما يمكن أن تحدثه قوة الذرة التدميرية في أعصاب الإنسان من اهتزازات عنيفة وحادة. وقد تعاقبت بعد ذلك سنون عدة، اكتسى فيها هذا الانفعال الفردي صبغة جعلته الآن يبدو في شكل معارضة إنسانية جماعية ضد هذا التهوس، والكلف الشديد بالجانب التدميري فقط من الطاقة الإشعاعية، وقد تطورت هذه المعارضة تطورا حميدا، أكره الدول الذرية الكبرى على أن تضع لها اعتبارا أي اعتبار، وكان من نتائج ذلك أن بدرت في المحيط الدولي صور من الحرب السيكولوجية-الدعائية المنظمة، استنفذ فيها المسؤولون في المعسكرين المتعارضين كل الجهد في استثمار هذه الإرادة الإنسانية الجماعية المضادة للروح التدميرية التي تخطو على أساسها تجارب المنجزات ذات الطبيعة الإشعاعية.
ومن هنا تبدو الأصول (السياسية) الدولية لقصة نزع السلاح التي هي في جذورها الأولى قديمة قدم الأسلحة الحديثة ذاتها، ولكنها في صورتها الآتية تبدو-لما حاطها من ملابسات دولية دقيقة، أكثر حدة وأشد إلحاحا، وخاصة بعد ما أصبحت مشكلة التسلح الإشعاعي في عالم اليوم بهذا القدر من التشعب والتعقد، وآخر فصل في القصة السلسلة الطويلة من المخابرات الدولية الهادفة إلى إعداد الجو الدولي الملائم لعقد مؤتمر على أعلى مستوى لبحث السبل الكفيلة بتحقيق مشروع عملي لنزع السلاح، وبالتخصيص، تلك الأنماط التي تندرج ضمن وسائل التدمير ذات الطبيعة الحرارية-الإشعاعية، وقد استطالت المحاولات التمهيدية، وامتد بها الوقت، بالقدر الذي أصبحت معه سبيلا مفضلة لغزو الرأي العام العالمي في سباق الحرب السيكولوجية- الدعائية المستحرة بين الجانبين المتناظرين.
على انه ليس من الواقعية في شيء تجاهل العوامل القسرية التي تؤثر-من وجهة النظر العامة- في سير المحادثات وتمتد بها هذه الفترات المتطاولة المتنائية؟ فالأوضاع المعقدة-سواء من الجانب العلمي أو السياسي- تلك التي خلقها استحرار التنافس في استحداث واستعمال الأجهزة النووية، يمكن أن تعين على تحقيق انفراج مسرحي مباغت، والأمر هنا لا يتصل بالاختلافات الشكلية بين وجهات النظر في الموضوع، رغم أنها متباينة ومتجافية على خط مستقيم، بل أن مناط الصعوبة هو في طبيعة السلاح الإشعاعي نفسه، مع اعتبار نوعية المشاكل التي تباعد الشقة بين هذه التكتلات السياسية الدولية القائمة اليوم، فقد أصبح من المعطيات الإستراتيجية الأولية، أن التبريز في ابتداع واستعمال أحدث فضائل الأسلحة ذات الأساس النووي، قد يرجح في الثمان والأربعين ساعة الأولى جانب الظفر المعسكر ما على حساب الآخر، وقد أعان على تأكيد هذه الحتمية التكنولوجية ظهور العصر (البيكوكبي) (1) الذي يتميز بما أضحت عليه (المسافة) فيه من تقلص واختزال غريبين، هذا إلى أن نوع التمايز الشاسع بين الاتجاهات السياسية والايديولجية يحيل على ظنون تلك التأكيدات المتبادلة بإمكانية تحقيق نظام (أممي) يسوده مبدأ التعايش المسالم، أو هذا ما يحزره المتشائمون على الأقل، مما يضاعف من نسبة المصاعب في هذا المضمار، اتساع رقعة الدولتين النوويتين الكبيرتين وتنوع أقاليمهما الطبيعة (الولايات المتحدة: ألاسكا والقطاع القطبي-الاتحاد السوفياتي، سيبريا وما إليها من الأقاليم القطبية الشمالية) مما يتعذر معه اجراء مراقبة دولية دقيقة ومطمئنة، هذا عدا التطورات التقنية في ميدان الاختبارات التجريبية، تلك التي أمسى معها تتبع المخالفات أمرا في غاية التلبك