فهرس الكتاب

الصفحة 756 من 5287

دعوة الحق، س.2، ع2 /نونبر 1958 ص 08

للأستاذ: محمد الفاسي

عميد الجامعة المغربية

ألقيت هذه المحاضرة بدعوة من جمعية الطالب المغربي في سنة1952

يرى كثير من علماء النقد أن الأدب العربي النثري يتصف بخلوه من ظاهرة مهمة من الناحية الأدبية المحضة، وهي تعرض الكاتب بما يتعلق بشخصه، ولأفكاره وعواطفه وإحساساته، حتى أنك تقرأ كتابا من أوله إلى آخره ولا يمكنك أن تتصور عصر المِؤلف ولا بلاده، كما لا تستفيد شيئا عن ميولا ته الشخصية، ولا عن أعماله، وبالجملة فلا ترى أثرا في كل كتاباته الفعل فاعله ضمير (المتكلم) إلا ما يكون غالبا في المقدمات من إطراء المؤلف لكتابه. ويظهر لي أن من يوجهون هذا الانتقاد للأدب العربي يغفلون نوعا أدبيا له قيمته، وهو كتب الرحلات. إذ أساس هذا النوع هو شخص المؤلف وآنيته ووصف ما يعرض له في سفره، وذكر الإحساسات التي يشعر بها أمام المناظر التي يمر بها، مع اطلاعنا على أحوال البلاد التي يزورها وعلى عوائد أهلها وأخلاقهم وأفكارهم، وهو في كل هذا يعبر عن نفسه وعن عواطفه وعن وجهة نظره الخاص في كل مسألة.

وإذا كان الأدب العربي في جملته يتسم بسمة الاتباعية (الكلاسيكية) أي النظر إلى الوجود بكيفية عامة، وإلى الإنسان كشخص مجرد شبيه بنفسه في كل زمان وكل مكان، فإن الأدباء الذين وصفوا أخبار أسفارهم في الكتب التي نطلق عليها اسم الرحلات، يمثلون في أدبنا الناحية الإبداعية (الرومانتيكية) لذلك كان في الرحلة من الأنواع الأدبية الطريفة التي تميل إليها النفس، وكانت مطالعة الرحلات ممتعة ومفيدة، وقد تنبه الأستاذ محب الدين الخطيب لهذه الميزة الخاصة ب كتب الرحلات، فقال في مقدمة رحلة لأحد المعاصرين من أهل القدس نشرها في المطبعة السلفية: «قد كان لكثير من الكتب القديمة التي ألفت في الرحلة مزية قلما تجدها في المؤلفات الحديثة، وهي أن المؤلف كان يترك القلم يرسم ما في نفس صاحبه بعيدا عن التصنع، فإذا قرأ الناس كتاب رحلة شعروا بأنهم معه يرون ماراه ويقفون على وقع ذلك في نفسه» .

وقد تفوق المغاربة في هذا الفن ووضعوا فيه مؤلفات بديعة طبع بعضها وأكثرها لا يزال مخطوطا، ومنها ما تعتبر ضائعة ولا تعرف إلا بالنقل عنها في كتب التاريخ و الأدب والتراجم.

وإنني سأحاول أن ألخص لكم في هذه المحاضرة تاريخ الإنتاجات الغربية في فن الرحلة في مختلف العصور الأدبية

وقبل كل شيء ما هي أسباب كثرة تأليف المغاربة في هذا الفن؟ وتفوقهم فيه؟

يرجع ذلك لعوامل مختلفة أهمها بعد الديار المغربية عن الشرق والحجاز مهد الحضارة العربية ومهبط الوحي، فكان جل من يقصد البلاد الحجازية من الأدباء والعلماء لأداء فريضة الحج الشريفة البعيدة التي يحن إليها كل مغربي، لما يربطه بها من روابط الدين واللغة والدم، فيقصد الكتاب إلى التعريف بتلك البلاد وما احتوت عليه من آثار الصحابة والعلماء والمشاهد الشهيرة، مع وصف الطريق التي تؤدي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت