فهرس الكتاب

الصفحة 757 من 5287

إليها بحرا وبرا، وينتهز الراحل فرصة هذا السفر الطويل فيقف بكل عواصم العلم التي تمر بها في طريقه، ويصفها أيضا ويذكر مساجدها ومآثرها وعلمائها وأدبائها، فنفقت بذلك سوق هذا النوع الأدبي، وأقبل عليه المغاربة، وصار الكتاب يتنافسون فيه خصوصا في القرنين السابع والثامن حيث ازدهرت الآداب والعلوم بفضل تشجيع المرينيين، وقد كان لهم اهتمام خاص بأخبار الماضي وأحوال البلاد، حتى الفضل في تسجيل أخبار رحلة ابن بطوطة يرجع لأبي عنان المريني، إذا هو الذي استدعاه لحضرته وأمر كتابه ابن جزي الكيلي بتحرير ما أملى عليه من أخبار أسفاره الطويلة في أقطار الدنيا.

ومن أسباب هذا التفوق ولوع المغاربة بكيفية عامة بالسياحة وارتيادهم لأقاصي البلاد، ولم يكن ابن بطوطة المغربي الوحيد الذي دخل أقاصي البلاد الشرقية ومجاهل إفريقية، وإنما بقيت لنا أخبار أسفاره بفضل عناية أبي عنان الذي أمر بجمعها، وإلا لكنا نجهلها كما نجهل غيرها، وقد ذكر هو نفسه في رحلته قصة ندل على ما تقوله، وذلك أنه لما كان مقيما بإحدى مدن الصين وصلها مركب عظيم لبعض الفقهاء المعظمين عندهم، قال ابن بطوطة: «فاستأذن له علي، وقالوا مولانا قوام الدين ألسبتي. فعجبت من اسمه ودخل علي، فلما حصلت المؤانسة بعد السلام، سنح لي أني أعرفه، فأطلت النظر عليه، فقال أراك تنظر إلى نظر من يعرفني، فقلت له من أي البلاد أنت؟ فقال من سبتة، فقلت له: وأنا من طنجة. فجدد السلام علي، وبكي حتى بكيت لبكائه، فقلت له: هل دخلت بلاد الهند؟ فقال لي: نعم دخلت حضرة دلهي. فلما قال لي ذلك تذكرته، وقلت أأنت البشري؟ قال نعم. وكان قد وصل إلي دلهي مع خاله أبي القاسم المرسي، وهو يومئذ شاب لا نبات بعارضيه من حذاق الطلبة يحفظ الموطأ، وكنت أعلمت سلطان الهند بأمره فأعطاه ثلاثة آلاف دينار، وطلب منه الإقامة عنده فأبى، وكان قصده في بلاد الصين، فعظم شأنه بها واكتسب الأموال الطائلة. أخبرني أن له نحو خمسين غلاما ومثلهم غلامين وجاريتين وتحفا كثيرة، ولقيت أخاه بعد ذلك ببلاد السودان فيا بعد ما بينهما!»

وهكذا نرى المغاربة يجوبون أقطار المعمور وذلك في القرن الثامن الهجري حيث لا بخار ولا كهرباء ولا سيارة ولا طائرة، وقد عبر الشريف الإدريسي أكبر جغرافيي العرب عن هذه الهواية يقوله:

دعني أجل ما بدت لي

سفينة أو مطية

لابد بقطع سيري

أمينة أو أمنية

وهو القائل أيضا:

ليت شعري أين قبري

ضاع في الغربة عمري

لم أدع للعين ما تشتـ

ـاق في بر و بحر

وكأنه يصف في هذين البيتين كثيرا من هؤلاء الرحال الذين كانوا يفارقون بلادهم ويفنون أعمارهم في التجوال واختراق الآفاق، ومنهم من يرجع لوطنه ويكون له فيه ذكر ومنزلة، ومنهم من لا يعود له. وكذلك كان الشأن في أقدم من بلغنا خبره، وهو أبو هارون الأغماني الذي فارق وطنه في أواخر القرن الخامس، وزار الديار المصرية والحجاز والعراق وخراسان وما وراء النهر، ودخل سمرقند، وكان شاعرا بليغا محدثا محاضرا متكلما وهو القائل:

لعمر الهوى أني وإن شطت النوى

لذو كبد حرى وذو مدمع سكب

فإن كنت في أقصى خرسان نازلا

فجسمي في شرق وقلبي في غرب

وأبو هارون هذا لا ذكر له في كتب المغاربة، وهو الذي فتح سلسلة أولئك العلماء والأدباء الذين كانوا ينزحون عن بلادهم لأنهم لا ينصفون بها، ويقصدون المشرق فيحصلون على الشهرة، ويضيع فيهم المغرب كما يضيع المغاربة أخبارهم حتى إنك لا تجد لهم في كتبهم ذكرا.

ومن أشاهير هؤلاء الرحالة الذين لا يعنينا أمرهم الآن لكونهم لم يسجلوا أخبار أسفارهم أبو هارون الأغماتي هذا، والشريف الإدريسي، والمؤرخ عبد الواحد المراكشي، والأديب الكبير المحدث ابن دحيه الكلبي وغيرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت