فهرس الكتاب

الصفحة 758 من 5287

ومن أسباب الرحلة أيضا توجيه السفراء من قبل ملوكنا للبلاد الشرقية والغربية، والرحلات التي ألفت لهذا الصدد ترجع كلها للعصور المتأخرة أي إلى أيام السعديين والعلويين، وإن كنت أقدم رحلة معروفة ولا تزال منها نتف مخطوطة في بعض الخزانات، وهي كتاب ترتيب الرحلة للإمام أبو بكر بن العربي المعافري دفين فاس، ويرجع سببها لسفر والده موجها من قبل أمير المسلمين يوسف بن تاشفين سفيرا إلى الخليفة العباسي أحمد المستظهر بالله، وصحبه ولده أبو بكر وذلك سنة 585 وبقي بالمشرق مدة للأخذ عن علمائه، ولم يرجع للبلاد المغربية إلا بعد ذلك بثمان سنوات. (ومن أسباب الرحلة أيضا التغرب في طلب العلم ولقاء المشايخ الكبار وارتياد المكاتب الشهيرة، فكان الطالب بعد رجوعه من سفره وقد آب يعلم غزير يؤلف في الغالب رحلة يذكر فيها الشيوخ الذين أخذ عنهم والأدباء الذين لقيهم، ويثبت الإجازات التي حصل عليها مدة دراساتهم، والتي نبرهن على تفوقهم وعلو كعبهم في العلوم التي تخصصوا فيها، وكثيرا ما كانت هذه الغاية الدراسية تتحد مع أداء فريضة الحج، إذ كان الطالب ينتهز فرصة وجوده بالمشرق الحج وإتيان مناسكه.

ومن أسباب الرحلة كذلك مرافقة الكتاب للملوك ولرجال الدولة في أسفار رسمية يكلف أحدهم بعد ذلك بتسجيلها على نحو ما يفعله اليوم الصحافيون الذين يصحبون الرؤساء في تنقلاتهم ويوافون صحفهم بأخبار هذه الرحلات.

وقد تضافرت كل هذه الأسباب وشبهها في بلادنا في مختلف عصور تاريخنا على تزويد الخزانة العربية بمؤلفات ثمينة، منها ما طبقت شهرية كل أقطار الدنيا كرحلة ابن بطوطة التي ترجمت لجل لغات العالم.

وإن قائمة رجال العلم والأدب الذين رحلوا عن بلادهم لسبب من الأسباب المتقدمة لا تكاد تنحصر، إذ قل ما توجد ترجمة شهير من مشاهيرنا لا يشار فيها إلى أن له رحلة، ولكن لا يعنينا من هؤلاء الرحالة سوى من سجلوا أخبار أسفارهم في كتاب خاص يشتمل على وصف المراحل والمشاهد، إذ منهم من يضع كتابا أثر سفره يخصصه بذكر شيوخه وتراجمهم، مع ذكر الكتب التي درسها عليهم، والتعرض لسلسلة الرواة التي توصله لواضعي المؤلفات الأولين، وهذا النوع الذي يسمى بالفهرسة عند أهل المغرب وبالبرنامج عند الأندلسيين وبالثبت عند المشارق لا يعنينا أيضا، إذ أنه ولو كانت له صلة بالرحلة فهو لا يتصل بموضوعنا الأمن طرف واحد.

والآن وقد عرفنا الأسباب التي تحدو بكتابنا إلى الرحلة ثم إلى تسجيل أخبار رحلتهم، ننتقل للكلام على الرحلة من حيث هي.

إن فن الرحلة في أصله له اتصال متين بالجغرافية، إذ الكتب الأولى المؤلفة في هذا العلم كانت تتخذ صبغة الرحلة، وذلك أن الجغرافي كان أولا يطوف البلاد التي يود التكلم عليها، ويخترق مسالكها ويقف بنفسه على أحوالها، ثم يضع بعد ذلك كتابه، لذلك سميت جل التأليف الجغرافية التي كتبت في القرون الأولى، «المسالك والممالك» وصارت هاتان الكلمتان تطلقان على علم الجغرافية عند العرب، كما سموه أيضا علم تقويم البلدان، والفرق بين كتب الرحلات وبين كتب المسالك والممالك، هو أن مؤلف الرحلة يذكر فيها ما يتعلق بنفسه، فينبه مثلا على تاريخ خروجه من وطنه، وعلى الأحوال التي أحاطت بسفره، مع الإشارة لأسبابه، ويثبت كل ما يقع له من حوادث أثناء غيبته، وأما مؤلف المسالك والممالك فإنه يكتفي بذكر المسافات وبوصف البلاد التي يمر بها من الناحية الزراعية والتجارية، ويصف أحوال الممالك السياسية والعمرانية، ولا يتعرض لنفسه إلا في ما قل، وذلك خصوصا في المؤلفات الأولى من هذا النوع، حيث كان علم الجغرافية لم يستقل بعد تماما عن فن الرحلة حتى أبلغه الشريف الإدريسي إلى درجته العليا عند العرب، في مؤلفه نزهة المشتاق في اختراق الأفاق، وهذا الكتاب وإن كان كجل الكتب القديمة الموضوعة في المسالك والممالك نتيجة رحلات متعددة كما ينم عنه عنوانه، فإنه كتاب جغرافي محض، لا أثر فيه لذكر الوقائع التي حدثت للمؤلف أثناء أسفاره، ولا لشيء من أحواله الشخصية لذلك لا يدخل في موضوعنا إلا عرضا.

ويمكننا أن نقسم الكلام على الرحلات بالاستناد إلى اعتبارات مختلفة، كان نرتبها على العصور التاريخية مسلسلين الحديث عنها من أول رحلة إلى أول رحلة إلى عصرنا هذا، ويمكن أيضا أن نرتبها حسب النواحي التي قصدها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت