فهرس الكتاب

الصفحة 4545 من 5287

دعوة الحق، س.6، ع2 /نونبر 1962 ص 8

للأستاذ: محمد بهجت البيطار

إلى معالي العلامة الكبير الدكتور عبد الرحمن الكيالي أدام المولى فضله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد فقد طلعت على تلك الصفحات الميمونة التي تفضلتم بإهدائها إلى بعد استيفائكم لمطالعة كتابي في حياة الإمام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم الحراني الدمشقي، فابتهجت بها، واستفدت منها الشيء الكثير، وإني أقدم إليكم شكري الخالص، وثنائي العطر، على ما أتحفتموني به من فضل ونبل، وأسأله سبحانه أن يجزيكم عنا وعن العلم خير الجزاء.

إن الذي دعاني إلى دراسة كثير من مصنفات فريد عصره ابن تيمية، وإيجاز كل موضوع منها بصفحات، هو حاجة عصرنا إلى مثلها، وعدم اتساع أوقات الدارسين لمطالعتها، والغاية منها ألا تنقطع السلسلة بيننا وبين هدى السلف.

ولقد ذكرتني شجاعة شيخ الإسلام ابن تيمية لدى السلاطين والأمراء بكلمة السيد الإمام، محمد رشيد رضا، إذ كان بدمشق الشام في عهد الحكومة العربية الفيصلية فكنت كلما قدمت إليه عالما، يسألني عن شجاعته، إذ كنت أصفه له بعلمه، وكان يقول لي أن الشجاعة هي التي تظهر العلم والحق، وتمحو الخوف والباطل.

ومن ذلك سعيه المشكور في أطلاق أسرى المسلمين والمسيحيين واليهود على السواء، بعد أن خاطب في شأنهم غازان وقطلوشاه وأصر على فك أسر الجميع من أيدي التثار فأجيب إلى طلبه بعد إصراره. وقد أعادت هذه المأثرة إلى الذاكرة كلمة الطيب الذكر غرغوريوس بطرك الروم الأرتودكس حين قال له الملك فيصل الأول: بايعني على العروبة، قال بل أبايعك على الإسلام أيضا، قال: تبايعني على لإسلام وأنت رأس النصرانية في هذا البلاد قال: نعم، لأني أعلم أن الإسلام لا يظلم ولا يهضم.

أوردتم بعد ما عرضتم خلاصة ما ورد في الكتاب ذلك العرض الجميل، ما ألهمتكم إياه مطالعته في سؤالين، الأول: ما هو الأهم للإنسان العاقل قبل كل شيء: هل معرفته وجود الإله؟ أم معرفة ذاته وصفاته؟ والثاني هل الفكرة الإلهية أصيلة في الإنسان، وكيف كانت تطورت؟ ونوهتم بأن في الجواب عنهما ما يغني عن البحث في القضايا التي هي مصدر الخلافات، ومبعث الشقاق والنظريات ثم قلتم:

أجل يجب البحث أولا عن وجود الله، لأنه هو الحقيقة التي تكمن في الموجودات، ولأن عقلنا الذي هو وسيلتنا لمعرفة الحقيقة سيظل باحثا عنها وعن الموجودات حيب طاقته ومقاييسه.

وأقول: هذا حق، ولم يفت علماءنا السابقين ذلك، على أنهم رأوا أن الشعور بوجود الله تعالى أمر فطري، والإذغان بخالق قادر فوق المادة، محيط من وراء الطبيعة شيء غريزي في الإنسان مفطور عليه وهو عقد في المرء طبع عليه جنانه، وتأثره لسانه وبيانه.

وأما معرفة الله المكتسبة فمعرفة توحيده وصفاته، وما يجب أن يثبت له من الصفات وما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت