فهرس الكتاب

الصفحة 5015 من 5287

دعوة الحق، س.6، ع7 /أبريل 1963 ص 17

سلاحنا في المعركة: الأفكار

للأستاذ: عبد السلام الهراس

الأفكار: تحدثنا في المقال السابق عن سلاحنا في المعركة من ناحية الأشخاص فالشخص هو موضوع الرسالة ووسيلة نشرها أيضا، ولكن مادة بنائه ووجوده هي الأفكار، ولذلك نتناول في هذا المقال جانب الفكرة من سلاحنا في المعركة.

الإسلام دين حضاري: تلك قضية مسلمة، ولذلك كانت أفكاره شاملة للحياة، ولمشاكل الإنسان، وقد عالج تلك المشاكل بصورة تفصيلية عندما كان التفصيل ضروريا، وبصورة إجمالية عندما كان الإجمال هو مصلحة البشر، فبعض الأفكار إذن مبادئ عامة لا تخوض في الجزئيات لأن تطور الإنسانية لا يستطيع تحمل تفصيلات مرحلة معينة أو زمن معين، فالإسلام مثلا يحدد شكل الدولة كأن تكون رئاسية أو برلمانية أو ينص على عدد النواب أو مدة النيابة إلى غير ذلك، وإنما نص على وجوب الشورى وعلي مسؤوليات رئيس الدولة ومسؤوليات الأفراد إزاء الدولة، وللمسلمين وحدهم وضع التفصيلات بما يناسب العصر ويحقق رسالة الإسلام، فقد يختار المسلمون النظام الرئاسي، أو البرلماني أو شكلا آخر خيرا منهما وأكثر استجابة لتحقيق المبادئ الإسلامية في الشورى والعدل والحفاظ على كرامة الإنسان، فالمسألة هنا اجتهادية تتغير حسب العصور والتطورات والظروف. وقد استجدت في الحياة مشاكل جديدة ومظاهر اقتصادية واجتماعية وتجارية لم يكن للمسلمين بها عهد، وليس في الإسلام تفصيلات تسعفنا بحل تلك المشاكل على نحو يحقق الأهداف السامية.

ولذلك كانت عبقرية الأمة هي أن تكون لها القدرة على استنباط التفصيلات من المبادئ التشريعية العامة بحيث تحقق أهداف تلك المبادئ وتستجيب لروحها في غير ما تعقيد ولا اصطدام مع المبدأ نفسه.

والذي وقع بالفعل أن المسلمين اختلفوا في تلك التفصيلات اختلافات منها ما كان ثروة وذخيرة للفكر الإنساني ومنها ما كان كارثة على السير الحضاري للمسلمين، وقد استفحل الخلاف في مشاكل جوهرية تمس العقيدة نفسها، مما عقد أمورها وأبعدها عن جوهرها الصافي. وهكذا وجدت مذاهب فلسفية وكلامية يحاول كل مذهب أن يحل مشكلة العقيدة فلا يزيدها إلا تعقيدا، وفي الإسلام: الكتاب والسنة، بيان وبساطة رائعان فيما يتصل بالعقيدة.

كما وجدت مذاهب فقهية داخل أهل السنة وداخل الشيعة، وهكذا وجد إسلام بالمذاهب، وزيادة على ذلك فقد علق بالإسلام كثير من الخرافات ومن الطفيليات السامة والأفكار الغريبة والمدسوسة مما شوه ديننا وأفسد سلوك كثير منا، وهكذا امتلأت مصادر الثقافة الإسلامية بالغث والسمين مما أورث عقولا مختلفة ومسالك متنوعة وأثار مشاحنات ومنازعات أضاعت كثيرا من وقت أمتنا عبر تاريخها، والعجيب أن الجانب الخرافي المدسوس على الإسلام عن قصد أو غير قصد قد استطاع أن يحظى بمكانة محترمة من عقول العوام بل بعض الخواص .. وقد حاول بعض علمائنا الأجلاء عبر التطورات الإسلامية تصفية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت