دعوة الحق، س.2، ع4 /يناير 1959 ص 17
للأستاذ: محمد كاطم سباق
يمتاز الإنسان عن الحيوان بالعلم، ووسيلة العلم الكبرى وآلته الضرورية هي «الأسماء» التي بها تدرك حقائق الأشياء ويعرف الأشخاص، فألف كلمة في صفة شيء من الأشياء لا تغني غناء كلمة واحدة هي علم على ذلك الشيء، صف زهرة نفتحت في الروض بأعلى ما أوتيت من بلاغة الوصف، فهيهات أن تدل على حقيقتها ما لم تقل إنها وردة أو ياسمين، كذلك إستفرغ بيانك في وصف شخصية إنسانية بارزة فلست بمفيد سامعك اليقين ما لم تسمها وتقل ـ مثلا ـ الإمام محمد عبده أو الأمير عبد القادر الجزائري.
لذلك قال بعض الحكماء: نصف علم ألطف في معرفة أسماء الأعضاء والعروق في الجسم الإنساني، من حفظها فقد استكمل نصف العلم، ولكون مدام العلوم والفنون كلها على معرفة الأسماء والمصطلحات جعل الله تعالى في الإنسان ولعا طبيعيا عجيبا بتسمية كل ما يأتي تحت مشاهدته أو يدخل تحت حس من حواسه، ومن عجابئه في هذا الباب أنه قد وضع الأسماء حتى تلك الأماكن القاصية من هذه الكرة الأرضية، التي لم تطأها قدماه بعد، ولا هي تصلح لحياته أبدا لشدة حرها أو بردها، وأنه يسمى في هذا العصر كل ما يتكبر من الاختراعات العلمية قبل أن يجره وينجح في تجربته، وأنا ما بلغنا أمر السيار المصنوع الذي أرسلته روسيا في الخلاء حتى سمعنا اسمه (سبوتنيك) وصارت ألسنتنا تردده، وكذلك لم يبلغنا خبر الصاروخ ( Rocket) الذي وجهته أمريكا إلى القمر قبل أيام فانفجر في أول الطريق، حتى علمنا إن كان اسمه (توربيل) وأعجب منت هذا كله ما جاء في بعض الجرائد أخيرا من صورة جغرافية للقمر تبدي ما على صفحته من بحار وجبال، وإذا كل بحر أو بحيرة منها يحمل إسما خالصا له، هذا بحر البرد، وذاك بحر السكينة، وبجانب بحر الخصوبة، ومن ورائه بحر السحائب، فمن سمى يا ترى تلك البحار الواقعة في القمر؟ ولماذا. سماها هذا الإنسان لذلك الولع الطبيعي المركب فيه بتسمية كل شيء يتناوله سمعه أو بصره أو خياله.
وإن «الأسماء هي أول ما علم الله تعالى أبا البشير قبل أن يهبط إلى الأرض، رد بذلك شبهة الملائكة ودحض حجتهم يوم أعلن في الملأ الأعلى: أني جاعل في الأرض خليفة. فالملائكة لما علموا أن المقصود لهذه الخلافة هو الإنسان، وقد أتى الحرية في الإدارة والعمل، وساورتهم المخاوف والشبهات، قالوا. أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟ قال الله تعالى: إني أعلم من مزايا هذا المخلوق والقابليات المودعة فيه ما لا تعلمون، ثم عرض على الجميع بعض الأشياء، وأغلب الظن إن كانت من أشياء هذا العالم، وقال للملائكة: أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم ـ في شبهتكم ـ صادقين. قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، أي أن العلم الذي قد آتيتنا محدود لا يشتمل معرفة هذه الأسماء، ثم ألفت سبحانه إلى آدم فقال: يا آدم أنبئهم بأسمائهم. فلما أنبأهم بأسماء تلك الأشياء المعرضة، بفضل العلم الذي قد وهب له الله من قبل، قال الله تعالى للملائكة: ألم أقل لكم أني أعلم غيب السماوات والأرض.
هذا على تفسير جمهور العلماء المفسرين من السلف والخلف للضمير المتصل في قوله تعالى: ثم عرضهم على الملائكة، وهو أن مرجعه أشياء عرضها الله على جميع الحضور في ذلك المشهد ليمتحن علمهم بأسمائها، ولكن هناك مذهب آخر في تفسير هذا الضمير، نريد أن نسترعي إليه الأنظار، هو ما ذهب إليه ولعله انفرد به المفسر الكبير الأستاذ أمين أحسن الإصلاحي في هذا العصر، وذلك أن الضمير في هذا السياق راجع إلى أشخاص ـ لا إلى أشياء ـ هم صفوة الإنسانية من الرسل والأنبياء والصلحاء والمجددين، وقد يبن الأستاذ مذهبه هذا في محاضرته القيمة (تصور الدولة في الإسلام) التي ألقاها في مؤتمر الدراسات الإسلامية المنعقد بلاهور في مفتتح هذه السنة.
فقال الأستاذ: « ... قال الله عز وجل للملائكة: أنكم تخشون هذا الفساد من قبل الإنسان