دعوة الحق، س.1، ع1 /يوليوز 1957 ص 9
للأستاذ: السيد عبد الله كنون
لما قال جزء بن كليب الفقعسي أبياته البليغة في النعي على هذا الحديث النعمة المدعو ابن كوز تطاوله إلى الخطبة منهم والتزوج فيهم وهي هذه:
تبغى ابن كوز والسفاهة كاسمها ليستاد منا أن شتونا لياليا
فما أكبر الأشياء يندى حزازة بأن أبت مزريا عليك وزاريا
وأنا على عض الزمان الذي ترى نعالج من كره المخازى الدواهيا
فلا تطلبنها يا ابن كوز فإنه غدا الناس مذ قام النبي الجواريا
وإن التي حدثتها في أنوفنا وأعناقنا من الإباء كما هيا
نعم لما قال أبياته هذه، لم يكن يقصد إلا إلى تبكيت ابن كوز هذا ولم يكن يشعر أنه يوضح لنا حدا فاصلا في تاريخ المرأة، قام بوضعه نبي الإسلام عليه السلام. فالمرأة قبل البعثة المحمدية كانت كاللقى الذي لا قيمة له، فإنها إذا سلمت من الوأد وهي طفلة، ضنانة بالنفقة عليها، لم تسلم من شر منه وهي امرأة، حيث تملك لأول طالب يكون له عليها مطلق التصرف، حتى ليبيعها لغيره وتورث من بعده. لكن لما جاء الإسلام، وقام النبي صلى الله عليه وسلم بالدعوة إلى هذا الدين الكريم، تبدلت الحال، وأصبح للمرأة كامل الاعتبار. فأعطتها الشريعة الجديدة من الحقوق عدل ما عليها من الواجبات، ولم تكن قبل تتمتع حتى بحق الحياة، فكان الإبقاء عليها يعد هبة من الهبات، وهذا ما عبر عنه الشاعر الحماسي الذي أدرك الفرق بين العهدين بقوله البليغ (غذا الناس مذ قام النبي الجواريا) .
مكانة المرأة الاجتماعية
ولسنا بحاجة إلى إيراد ما جاء في القرآن الكريم، والسنة النبوية، من الحث على الإحسان إلى المرأة وهي طفلة، والتوصية بها خيرا فيما بعد ذلك، فإن هذا معلوم لكل واحد فضلا عن أننا نريد أن نعطي هذه الكلمة صبغة البحث المجرد، ونبعد بها عن الصفة الخطابية ما أمكن، وإذا كان لا بد من سياق بعض الآيات والأحاديث فإننا ننزلها تنزيلا علميا على ما ذكرناه من الوضعية الجديدة التي أصبحت للمرأة بعد مجيء الإسلام.
فمن الآيات القرآنية في التشنيع على عادة الوأد التي كانت منتشرة عند العرب قوله تعالى: «وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْءًا كَبِيرًا» [الإسراء: 31] . وقوله في الانتقام للموءودة: «وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ، بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ» [التكوير: 8 - 9] . وقوله في القضاء على ما بقي لهذه العادة في نفوس القوم من أثر ذميم: «وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ، يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ» [النحل: 58 - 59] .
ومن قوله تعالى في الحض على حسن معاملة الزوجات، ولو لم يكن هناك توافق في الطباع: «وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا» [النساء: 19] . ومنه في الوصاية بهن إذا ساءت علاقة الزوجية، مخاطبا للأزواج «فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ؛ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لَّتَعْتَدُواْ؛ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ» [البقرة: 231] . ومنه فيما إذا حصل الفراق قبل الدخول، مرشدا إلى ترك أسباب النزاع المادي «وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ» [البقرة: 237] وهذه الآية دعوة إلى المكارمة لا نظير لها في الحسن.
ومنه في توعد الذين يستطيلون على كرامة السيدات الفضليات «إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُواْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ» [النور: 23 - 25] .
وجاء من الأحاديث النبوية بموافقة معاني هذه الآيات، قوله صلى الله عليه وسلم في الحض على تكرمة البنات وعدم تسخطهن «من ابتلى من هذه البنات بشيء، فأحسن إليهن، كن له سترا من النار» . وقوله في حسن معاملة الزوجات «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي» . وقوله في خطبة الوداع: «اتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله» ، إلى غير ذلك من أقواله صلى الله عليه وسلم في هذا الصدد.
وعلى كل حال، فقد جعل الإسلام للمرأة مكانة اجتماعية لم تكن لها عند العرب، ولا عند غيرهم من الأمم. إذ جعلها ربة البيت المسؤولة عن تدبيره، وهي لم تكن فيه إلا من سقط