فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.1، ع9 /مارس 1958 ص47
للأستاذ: محمد حمود
عشقت منذ أن كنت حدثا فكرة الخلود، وكنت مسرفا بالغ الإسراف متطرفا بالغ التطرف في ذلك العشق، ولم يكن لدي في حداثتي من دافع لهذا العشق سوى تلك التربية التي نشأتها عليها جميعا، وكانت تغذينا من لبان الدين، وترضعنا من ثدييه الثرين، فتغدق على أرواحنا من معين الخلود ما يشفي الغلة ويروي الظمأ، فنعود بعد أن نصلي ونتحنت قسطا من الليل وأطراف النهار، ثملين بما جنيناه من الصلاة والتحنث، وما الذي ما نجني! إنه ذلك الاتصال الروحي بمن أبدع الكون، فكان الخلود من أمتع وأروع الصور في هذا الكون، خلود روح الإنسان وما تحمل وتتقمص من قيم إنسانية مثلى.
ولم يكن التعبير القويم عن هاته الفكرة بسهل، وكان كل ما كتب عنها أو ما سيكتب في موضوعها إنما هو نقوش ورسوم، مهما كان وضوحها بارزا ومهما كانت ظلالها جميلة وأبعادها منسقة، فلن تبلغ شأو الفكرة نفسها، إذ تظل هذه مثلا أعلى يحاول الشاعر أو الرسام أن يدنو من قمتها ولو دنوا يسيرا.
ولكنا على كل حال نجد المتعة في هذا الطموح إلى الخلود عند الصادقين من الشعراء والرسامين، كما كنا نحس بأننا نرضي حاجة الخلود في نفوسنا حين نصلي ونتحنث.
ولست بعيدا عن الحقيقة ولا من الواقع، حين أقول بأن إقبال من شعراء الخلود، تلمس ذلك بكل حواسك حين تخلو إلى بعض قطع من شعره، تترنم بها وترتلها في خشوع كما كان يرتلها إقبال مبتهلا مصليا، ويتلها حتى عصرنا وحتى الأبد مبتهلون كثيرون، جمعتهم فكرة الخلود بعد أن كانوا أشتاتا مختلفين في لغتهم وجنسهم، فحين يقرأ العربي أو الانجليزي شعر إقبال يشعر في قرارة نفسه وأعماقه، بأنه يرضى إرضاء وافيا عشقه لفكرة الخلود. ولقد شعرت نفس الشعور حين اكتشفت إقبال واكتشفت شعره، وصرت اردده من حين لآخر، وكلما عدت إليه وجدت متعة أخرى ولذة جديدة. وأدعو القارئ الكريم لكي ينشد معي هذه الأغنية الصغيرة لإقبال، الغنية بالحياة، الثرة بالخلود.
حينما يسفر الصباح نديا
ناصعا في مواكب الإشراق
يغسل النور في المشارق اد
ران الدجى عن حلة الآفاق
ويطير الكرى وينتبه العشب
وتصحو عزائم الكائنات
ويهب الإحياء في البر والبحر
ليستقبلوا عروس الحياة
وإذا كان للخلائق ناموس
يرينا الصباح بعد المساء
فكذا تذهب الحياة ولكن
بعد ليل الحمام صبح البقاء
لوحة زيتية تنبض بالحركة والحياة، الصباح يبتسم ابتسامة عريضة، وينسكب النور في المشارق، مبيدا عن الآفاق ما كساها من ظلام الليل، ويطير النوم عن مآزق الكائنات فيرقص العشب ويهب كل حي لاستقبال عروس الحياة، تلك التي أشرقت لتضيء الكون وتعيد الحياة للكائنات، يرى إقبال هذه اللوحة الرائعة، فيعجب بها، ويأبى هذا الإعجاب الذي سطا على مشاعره إلا أن يحرك ريشته،، فتهب هي أيضا لتعبر للناس عما رأته نفس إقبال، وما أعجب به من هذا الإسفار، وذلك الإشراق، وذلك الانبعاث الذي أصاب العشب وعزائم الكائنات، وهبوب كل هؤلاء لاستقبال عروس الحياة.