فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع3 /شتنبر 1957 ص30

للأستاذ: عبد القادر الصحراوي

في الفصلين السابقين عرضنا بعض النصوص التاريخية الواردة في موضوع استنجاد صلاح الدين الأيوبي بيعقوب المنصور، أثناء الحروب المعروفة تاريخيا باسم الحروب الصليبية، وقلنا إنها لا تعدو أن تكون حربا عدوانية توسيعية، وإنها لم تكن في الحقيقة إلا حملات عسكرية لتأسيس إمارات لاتينية في سورية وفلسطين، كما يقول المؤرخ الإنجليزي استيتفن سن.

بقي علينا أن نعرف شيئا عن السبب المباشر لهذه الحروب.

وإذا كان ذلك سيضطرنا إلى أن نقف وقفة قصيرة، أو نخطو خطوة أخرى إلى الوراء، فإنه سيساعدنا على تصور القضية التي نحن بصددها تصورا صحيحا، وسيساعدنا أيضا على فهم طبيعة هذه الحروب التي لا نريد أن نسميها صليبية، إلا لأنها عرفت بذلك في التاريخ.

كان العالم الإسلامي في الشرق تتنازعه خلافتان، وصلتا معا إلى الدرك الأسفل من الهوان والضعف، هما الخلافة العباسية في بغداد، والخلافة الفاطمية في القاهرة، ولم يكن قد بقي لهما من الخلافة إلا اسمها وبعض مظاهرها، أما السلطة العملية فقد كانت بيد أمراء من جنسيات مختلفة، توزعوا العالم العربي والإسلامي فيما بينهم. وكانوا هم أيضا في الحقيقة أمراء إقطاع بالمعنى الحرفي لهذه الكلمة، يستمدون وجودهم الشرعي من اعتراف الخلافة بهم، مقابل حمايتهم لها أو عدم خروجهم عليها على الأقل، ويعتمدون في حماية وجودهم الفعلي على قواهم الحربية، وعلى قدرتهم على المخاتلة والدس والكيد والخيانة.

وفجأة، وفي غمرة هذا الانحلال والضعف والتفرقة، يتسرب إلى الإسلام، ومن بعيد جدا، دم آخر حار جديد لم تفسده المدنية، ولم تعبث به الأهواء والنزوات والأطماع الرخيصة، فتنتعش الدولة الإسلامية، وتفيق من غفوتها الطويلة، لتسترد أراضيها التي كانت اغتصبتها منها في فترات ضعف الدولة البيزنطية، أو الدولة الرومانية الشرقية التي كانت لا تزال موجودة حتى ذلك الحين، تدافع عن عاصمتها القسطنطينية ضد المسلمين، وتغتنم فترات ضعفهم، لتسترد منهم ما أمكنها استرداده مما انتزعوه منها من مستعمراتها في الشرق، وتقاوم من جهة أخرى محاولات الكنيسة الغربية للاستيلاء عليها وإخضاعها لنفوذها.

انحدر إلى الإسلام هذا الدم الحار الجديد من تركستان وهي منطقة في آسيا الوسطى، بين سيبيريا وبحر قزوين، وإيران وافغانستان والهند، وكان قد ظهر فيها زعيم يدعى سلجوق، كان هو رأس قومه المعروفين باسم الغز.

وقد عرف الغز الإسلام لأول مرة غزاة فاتحين، ولكنهم لم يلبثوا أن اعتنقوه في حماسة نادرة المثال، واستمروا مع ذلك في زحفهم يكتسحون الإمارات الصغيرة التي تعترض طريقهم من إسلامية وغيرها، حتى وصلوا إلى بغداد، واتصلوا بالخليفة العباسي، وعرضوا عليه حمايتهم مقابل اعترافه لهم بالسلطنة، وهكذا ظهرت في العالم الإسلامي دولة فتية، وقوية أيضا، هي الدولة السلجوقية، نسبة إلى زعيمها الأول سلجوق الغزي.

وبزعامة الأمراء السلاجقة وتحت قيادتهم استطاع المسلمون أن يستردوا من الدولة البيزنطية الرومانية، أراضيهم التي كانت قد اغتصبتها منهم، وأن يكتسحوا مستعمراتها في آسيا الصغرى، وأن يهددوا عاصمتها القسطنطينية، وهنا لا يجد الإمبراطورالبيزنطي بدا من أن يلجأ مكرها إلى الكنيسة الغربية يستنجد بها، فيبعث ?

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت