فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع3 /شتنبر 1957 ص29

إلى بناء ابن الزبير بعد أن هدمه الحجاج، فنهاه مالك رحمه الله عن ذلك، وقال: يا أمير المومنين، لا تجعل البيت ملعبة للملوك متى أراد أحد أن يغيره فعل، فتركه على حاله سدا للذريعة. فلعله تاب مما كان صنع. وقد كان المنصور ضيق على أهل المدينة حتى قطع عنهم الميرة في البحر -أي المواد الغذائية- إلا أن ابنه المهدي تلافى تضييق أبيه فوسع المسجد الحرام، وبقي اسمه مكتوبا بهذا الإصلاح على جدارها حتى شهده ابن بطوطة أول القرن الثامن، وكان هذا التوسيع سنة 167 هـ. وكسا المهدي الكعبة كسوة جديدة وفرق من المال في أهل الحرمين حسب ما سجل في إحصاء تاريخ التمدن الإسلامي ثلاثين مليونا درهما وخمسمائة ألف دينار ومائة وخمسين ألف ثوب، واتخذ حرسا من الأنصار عددهم 500 رجل، حملهم معه إلى بغداد وأقطعهم الأرضين، وأمر بحفر نهر الصلة بواسط وأحيى ما عليه من الأرضين، وجعل غلته لصلات أهل الحرمين والنفقات هناك.

وهذا يبين لنا موردا هاما للطعام الذي يصنعه السلطان حسبما مر عن سيرة ابن هشام.

ومثل ما وقع للمنصور في شأن التنكر لبيت الله وقع لسليله المعتصم عندما اصطنع الأتراك واعتمد عليهم في تثبيت قدمه في الملك، فأراد أن يستغني عن بلاد العرب جميعا، وكان قد بنى سامرا بقرب بغداد وأقام فيها جنده، فأنشأ فيها كعبة وجعل حولها طوافا، واتخذ منى وعرفات نحر به أمراء كانوا معه لما طلبوا الحج خشية أن يفارقوه (1)

وإذا بلغ الشعور بدين الإسلام في نفس الملوك من الضعف إلى درجة العبث بالمقدسات ووجد في الوسط المنسوب للإسلام إمكانيات قبول هذا العبث فإن معنوية الأمة تتفكك أو على الأقل تفقد الثقة بالملوك الحاكمين باسم الخلافة الإسلامية، وهذا من العوامل المهمة مع العوامل الأخرى التي جعلت عصر المعتصم يتسم في التاريخ بأنه مبدأ عصر الانحطاط في الدولة العباسية.

أما العناية بحجاج بيت الله وسكان الحرمين -فيما عدا هذا الشذوذ- فكان في نمو وازدهار، ولم يزده مرور الأيام إلا تثبيتا، وإن كثرة الأوقاف على الحرمين الشريفين شرقا وغربا لأعظم دليل على ذلك، وقد كان ولا يزال من عادة الملوك والأمراء تقديم الهدايا كل عام إلى القاطنين بالحرمين، وبالأولى تقديم غلات أوقاف الحرمين، وكانت مصر تحتفل في تشييع ركب الحاج، وبعث المحمل وغلات أوقاف الحرمين، احتفالا يبلغ صداه إلى مختلف الأقطار. ومن آخر المبرات في هذا المعنى وقف السكة الحديدية الحجازية وقفا إسلاميا خالصا لمساعدة حجاج بيت الله من طرف الشعوب الإسلامية وأعيان الأمة المحمدية، وبالخصوص تركيا التي كانت تتزعم الخلافة الإسلامية.

موقف الدول الإسلامية الآن من الحجاج:

ويجمل بنا بعد الإشارة إلى مواقف بعض ولاة المسلمين من حجاج بيت الله أن نشير إلى أن ولاة المسلمين اليوم إنما يعيشون في أعقاب مواقف أسلافهم من غير عناية جديدة ولا تنظيم لإكرام ضيوف الله وزوار بيته ولا تهييء مأوى لهم طبق التقاليد التي مر عليها أسلافنا الأولون، وهذا لا يجمل بعصر النهوض الحالي، فإن جميع ولاة المسلمين ينبغي أن يتعاونوا على تسهيل الحج على جميع المسلمين الضعفاء، لأن الحج ركن وقاعدة من أهم قواعد الإسلام.

وبما أن أوقاف الحرمين منتشرة في كثير من البلاد الإسلامية فالأليق أن يقع إحصاؤها والعناية بها، وتعقد الدول الإسلامية مؤتمرا عاما تقرر فيه تسهيل وسائل الحج وإطعام الحجيج وتهييء المأوى لهم في نفس البلاد المقدسة. وإذا كانت الخلافة العثمانية سعت بجد في مختلف الشعوب التي كانت تابعة لها حتى تم إنشاء السكة الحديدية الحجازية، ووقفها، فيجمل بالدول الإسلامية أن تهتم وتتم ما بدأه المسلمون في العهد الأول إلى إنشاء وقف السكة الحديدية.

هذه فكرة أرجو أن يعيرها ولاة المسلمين ومفكروهم نصيبا من عنايتهم، فإن التعاون عليها من أبرز مظاهر تعاون المسلمين، ومن أهم ما يقوي بينهم روابط التعارف الإسلامي.

ولا أستبعد إذا صاروا في هذا الاتجاه، ونظموا السكة الحديدية لفائدة الحجاج، أن يأتي يوم تقوى فيه الملاحة بين الدول الإسلامية وتعظم قواتهم البحرية، فيأتي دور تحبيس السفن على نقل الحجاج والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت