فهرس الكتاب

الصفحة 97 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع3 /شتنبر 1957 ص28

وهذا العمل أو الأمر من عمر قد ينافي حق الملكية المعترف بها في الشريعة ولوازمها من حق التصرف في كل منافع الرقاب المملوكة، إلا إذا ذهبنا على أن مكة فتحت عنوة فتكون دورها للمسلمين عامة. وقد اختار ابن العربي أنها فتحت عنوة إلا أن النبي من على أهلها في أنفسهم فسموا الطلقاء، ومن عليهم في أموالهم حيث أمر مناديه فنادى: من أغلق بابه فهو آمن، قال ابن العربي فتركهم في منازلهم على أحوالهم من غير تغيير عليهم، لكن الناس إذا كثروا واردين عليهم شاركوهم بحكم الحاجة إلى ذلك، وقد روى نافع عن ابن عمر أن عمر كان نهى أن تغلق مكة زمن الحاج وأن الناس كانوا ينزلون منها حيثما وجدوا فارغا حتى كانوا يضربون الفساطيط في جوف الدور.

فهذه الحاجة قد أباحت للحجيج أن يشاركوا أهل الدور في مأواهم الزائد عن حاجتهم بغير عوض يدفعونه عن منافع هذا المأوى، وقد يعتبر هذا العمل كصنيع بعض الحكومات التي تحجز حجزا مؤقتا سيارات أو أماكن لأجل المصلحة العامة، والحج في نظر المسلمين وحاجة الحجاج أولى بالاعتبار في نظر المسلمين من تلك المصالح التي تحجز من أجلها بعض حكومات العصر بعض الممتلكات حجزا موقتا.

وهذا العمل يوافق سماحة الدين وأخوته التي عقدها مع المسلمين، وما كان الدين الإسلامي الكريم الذي اختار الله رسوله من بين العرب الكرام إلا ليزيدهم تثبيتا لكرمهم ومواساتهم وإحسانهم، ويزيدنا يقينا باهتمام النبي بالمواساة، وبهذه التقاليد العربية المجيدة، أن جماعة من الأعراب سائحين حلوا بالمدينة زمن عيد الأضحى، فنهى النبي عليه السلام الناس عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، ففي صحيح مسلم عن عائشة: دف أهل أبيات من أهل البادية حضرة الأضحى زمن رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ادخروا ثلاثا ثم تصدقوا بما بقي) ، وقال فيما بعد: (إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت، فكلوا وادخروا وتصدقوا) .

وكذلك كان الشأن في عمرة رجب عند أهل مكة يحتفلون ويطعمون. فقد ذكر الرحالة المغربي ابن بطوطة أن أهل مكة يحتفلون لعمرة رجب الاحتفال الذي لم يعهد مثله، ويسمون هذه العمرة العمرة الأكمية باسم أكمة يحرمون منها. قال: والأصل في هذه العمرة أن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما لما فرغ من بناء الكعبة المقدسة خرج ماشيا حافيا معتمرا، ومعه أهل مكة، وذلك في اليوم السابع والعشرين من رجب، وانتهى إلى الأكمة فأحرم منها، وجعل طريقه على ثنية الحجون إلى المعلى من حيث دخل المسلمون يوم الفتح، فبقيت تلك العمرة سنة عند أهل مكة إلى هذا العهد (كان ابن بطوطة يعيش في القرن الثامن) ، وكان يوم عبد الله مذكورا أهدى فيه بدنا كثيرة وأهدى أشراف مكة وأهل الاستطاعة منهم، وأقاموا أياما يطعمون شكرا لله تعالى على ما وهبهم من التيسير والمعونة في بناء بيته الكريم على الصفة التي كان عليها في أيام الخليل صلوات الله عليه.

ومما يؤيد استمرار عادة إطعام الحجيج وسقيهم أن ابن بطوطة، بعد إحرامه من رابغ، مر بعقبة تسمى عقبة السويق، قال: والحجاج يقصدون شرب السويق بها ويستصحبونه من مصر والشام برسم ذلك، ويسقونه الناس مخلطا بالسكر، والأمراء يملأون منه الأحواض ويسقونها الناس.

نعم كان في بعض ملوك المسلمين تجاه الكعبة وحجاج بيت الله شذوذ حملتهم عليه سياستهم الجموح التي تنكروا معها لما يقضي به العقل، بل تنكروا لما يفرضه الإسلام في أهم أسسه وقواعده، فهذا أبو جعفر المنصور كانت دعوتهم في الفرس قائمة على التشيع لآل البيت من غير تعيين، وكان بنو هاشم على ما قيل انتخبوا في أواخر دولة بني أمية محمد بن عبد الله المعروف بالمهدي وبالنفس الزكية، وبايعوه بالخلافة، وكان من جملة المبايعين أبو جعفر المنصور، فلما جاءت الدولة العباسية لم يبايع محمد لأبي العباس ولا لأخيه أبي جعفر، فكان أمره شغل المنصور الشاغل، وحتى لا تتطلع نفوس الفرس إلى غير العباسيين زين له بعضهم إحداث بناء يكون الحج إليه بدل الكعبة، فبنى القبة الخضراء، ونكل ببني الحسن، فقام محمد النفس الزكية الذي كان مختفيا فاستولى على المدينة وقال خطبته: (أيها الناس إنه كان من أمرنا وأمر الطاغية عدو الله أبي جعفر ما لم يخف عليكم من بنائه القبة الخضراء التي بناها معاندا لله في مكة، وتصغيرا للكعبة الحرام) . وقد استفتي الإمام مالك في الخروج مع محمد، وقيل له: في أعناقنا بيعة للمنصور، فقال: (إنما بايعتم مكرهين) . وأكثر الرواة على أن مالكا ضرب في محنته بسبب هذه الفتوى. على أن هذه القبة الخضراء لم يتيسر لها حج وإنما سجل بها أبو جعفر تهوره وفساد مسعاه فيما يتعلق بركن من أركان الإسلام، وكأنه اقتفى طريقة أبرهة الحبشي الذي بنى الكنيسة المعروفة بالغليس باليمن، وأراد أن يصرف إليها وجوه العرب بدل الكعبة. فإن المنصور هو الذي باع أنقاض تلك الكنيسة حسبما سجله السهيلي في كتاب (الروض الأنف) ، فأبطل الله سعي أبرهة وأبي جعفر جميعا، وصح القول بأن ما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل، وإن كان ابن بطوطة ذكر أن المنصور أراد أن يعيد بناء الكعبة ?

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت