فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.3، ع1 /أكتوبر 1959 ص 59
للأستاذ: عبد الهادي الشرايبي
أخذ صاحبي اللبق الذي عرفت فيه ظرفه وخفة روحه يمهد للحديث كعادته، ويستعد لرواية قصصه المثيرة ووقائعه المسلية. إلا أنه لم يكن هذه المرة يبدو مرحا كما تعودته، ولم يكن يستخفه الحديث فيسرف في القول أو يرسل النكت تباعا، ساخرا من الناس ومن الزمن، وحتى من نفسه أحيانا، لا يدخرها إن استدعت الظروف أن تأخذ نصيبها في مجرى قوله.
لقد خالف هذه المرة ما ألفته منه إذ أخذ يستعيد ذكرياته وهو ساهم حزين عن هذا العامل الذي لم ير له مثيلا بين أقرانه، على كثرة ما تعاقب على معمله من الوافدين، وما توارد عليه من مختلف الوجوه والأجناس ومن متباين الأعمار.
قال صاحبي: تقدم إلي يطلب عملا، وبدا عليه أنه غريب وصل البلد حديثا. وكان سمته يشير إلى أنه من منبت كريم، كان لي معمل خياطة، ولم يكن له إلمام بهذه الصناعة إلا من بعيد. وقد دفعني حافز خفي للأخذ بيده، ومساعدته على إيجاد عمل شريف يعيش منه.
وبدأ العمل، وكان يلمع ذكاء، فلم تمض عليه مدة حتى أخذ بأطراف المهنة وأصبح في صفوف المبرزين من عمالي. وكان يعمل بدون حساب الزمن، إذا جلس أمام آلة الخياطة لا يحيد عنها إلا حينما تنهار قواه وتعجز أعصابه عن مواصلة الاحتمال. وتضايق العمال من نشاطه المثالي المتجاوز الحدود الذي كان يحرجهم ويظهرهم بمظهر الكسالى المقصرين. وتضايق هو الآخر، وطلب أن يوضع في مكان على انفراد، مهما كانت حقارة المكان، مطبخا أو مغسلا أو مستودعا للسيارة والبضائع، إنما يشترط فقط أن يكون في خلوة مع نفسه، وظننت أن مرد ذلك إلى عدم انسجامه مع زملائه العمال، فساعدته وأعددت له مكانا منفردا أخذ يقضي فيه اليوم بكامله، منكبا عل آلته كامل النهار وشطرا من الليل، يواصل العمل في إجهاد، وهو لائذ بالصمت لا يفوه بكلمة، ولا يتحدث حتى مع نفسه. وعجبت لحاله أو بالأحرى رثيت له وأخذ الشك يساورني في أنه منطو على مأساة مريرة ينفطر لها قلبه الفتي، وبدأت أتساءل «هل هي مأساة غرام» ومن تكون هذه التي استبدت بلبه وملكت عليه مشاعره حتى أصبح كالظبي النافر، لا يكاد يرى الناس حتى يفر منهم ويعتصم بغاره الذي يجد فيه متنفسا وملاذا. يا حبذا لو استطعت التعرف على دخيلة نفسه فأمد له يد المساعدة وأحقق له بعض مناه، إن كان ذلك مما يستطاع تحقيقه.
لم أجرؤ على مفاتحته لاكتشاف سره الذي كان به ضنينا، وبدأت أتطلع لعلي أنفذ إلى أغوار نفسه المعذبة، ولكنه لا يزداد إلا لياذا بالصمت وبعدا عن الناس. وكنت ألاحظ احمرار مستمرا في عينيه، فما أدري أهو من أثر بكاء ينفس به عن كربه في ساعات