فهرس الكتاب

الصفحة 1973 من 5287

دعوة الحق، س.3، ع 4 /أكتوبر 1960 ص 22

أبحاث ومقالات: علاقات روسيا بالمغرب

للأستاذ عبد الكبير الفهري الفاسي

سفير المغرب في تركيا وإيران

لا نقصد بروسيا، روسيا الحالية وهي (اتحاد الجمهوريات الروسية الاشتراكية) التي تكونت في جملة ما تكون من الدول بعد الحرب العالمية الأولى، ولم تربط لها علاقة بالمغرب منذ تكوينها سنة 1917، ولم تذكر في شأن من شؤون المغرب إلا في مؤتمر باريس الذي انعقد سنة 1945 في شأن نظام طنجة، وامتنع ستالين أن يشارك فيه لمشاركة ممثلين عن الجنرال فرانكو خصمه اللدود في نفس المؤتمر. نعم استقل المغرب واسترد سيادته منذ ذلك الحين، واعترفت روسيا الجديدة باستقلاله وتبادل معها تمثيلا دبلوماسيا مبنيا على تبادل المصالح في الميدان الاقتصادي.

فالمقصود بروسيا في هذه العجالة هي روسيا القيصرية التي كانت الدول الغربية قبل الحرب العالمية الأولى تخطب ودها للمحافظة على التوازن في السياسة الأوربية والتي كانت بعض الدول الغربية تحاول استغلالها كما تستغل الشهوات لكثرة خيراتها وتنوع منابع الثروة فيها وقلة خبرائها.

فروسيا هذه لم يكن يعرف المغاربة شيئا كثيرا عنها إلا ما كانوا يقرؤونه في القليل من الرحلات العربية التي قام بها أصحابها في بعض نواحيها وخصوصا في مقاطعتها الجنوبية قديما مثل ابن فضلان، وإن لم تطبع رحلته إلا قريبا أو بعضها دون بعض سنة 1939، نشرها الأستاذ زكي ألوليدي، ولا يزال قسم منها بإحدى خزائن الأستانة. كما أن الروس يحتفظون بقسم مفيد منها، ويمانعون في إعارة القشور منه عندهم سنة 1823 مع ترجمة روسية أو التحقيق عليه حسب ذكر الأستاذ محمد سامي الدهان الذي نجده الآن عاملا على نشرها لما فيها من الفوائد التي انفردت بها والملاحظات التي لم يكذبها الزمان رغما عن تطورات الأحداث في هذه الدنيا الروسية ولا نقول البلاد الروسية مع أن العلم أن ابن فضلان عاش في القرن الرابع وقام برحلته لفائدة الدولة العباسية.

نعم، كان المغاربة يعرفون عن روسيا ما كانوا يطالعونه في الكتب المصرية القليلة التي كانت تصل المغرب مثل «التحفة الخالدة» التي يقال بأن نسخة منها كانت متداولة بفاس وعليها تطويرات بيد المولى الحسن الأكبر جد مولانا صاخب الجلالة محمد الخامس، وكل هذه المعلومات شيء قليل إذا أضفناه إلى قلة اعتناء علماء الوقت أي علماء القرن المنصرم بشؤون الجغرافيا والتاريخ إلا من رحم ربك وقليل ما هم.

ورغما عن هذا التقصير في المعرفة فإن المغاربة كانوا لا يجهلون إن الإسلام لم يجد خيرا في عهد من عهود من جواره لروسيا لا في ممالكه في الشرق الأقصى وأواسط آسيا ولا في الشرق الأوسط. ألم تكن من أكبر الدول المعادية لإيران منذ تكون أكبر دولة على عرشها وهي أسرة روما نوف؟ وكذلك كانت أكبر أعداء دولة الخلافة التركية منذ تكوينها إلى عهد قريب، وكانت حاملة مشعل الحروب الصليبية في القرن التاسع عشر وآلة تستعملها الدول الغربية للقضاء على الرجل المريض وكانت طيلة القرن التاسع عشر تتزعم حماية الأقليات المسيحية في تركيا كالأرمن مثلا، وكانت تدعي هي أيضا حماية الأماكن المقدسة وما فيها من كنائس روسية لا تزال إلى الآن قائمة المعالم. فكانت تتنافس في ذلك مع فرنسا وكان هدفها في الواقع إضعاف «الرجل المريض» بل الإجهاز عليه عندما تنسخ الفرصة لتأخذ قسطا من أشلائه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت