فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع1 /يوليوز 1957 ص30

للأستاذ محمد الروداني

إن الاستقلال بمعناه السياسي الوطني المتداول هو تمكن شعب ما من ممارسة شؤونه، ليجريها على النحو الذي يحقق له آماله ومطامحه الحالية والمستقبلية.

ومن ثم كانت تلك الممارسة هي الغاية التي تضحي الشعوب لإحرازها بالنفوس والنفائس.

ولم يكشف لنا التاريخ إلى الآن عما إذا كان المغاربة قد أحرزوا هذه الغاية قبل أن يهتدوا إليها بهدى الإسلام ويكافحوا لها تحت رايته.

فعصور ما قبل التاريخ يكتنفها بالنسبة للمغاربة ما هي مكتنفة به من الغموض عند كثير من الشعوب.

وأما ما بعد ذلك من أيام التدخل الأجنبي في بلاد المغرب العربي كلها، قبل أن يظهر فيها الإسلام، فإنه معروف، ولم تجد فيه البلاد متنفسا إلا أيام الزعيم البربري يوكورطة الذي حاول اختلاس استقلال البلاد من رومة، باستغلاله لانحلالها الخلقي، ولكنها تفطنت في النهاية إلى ما يبيته لها من تحرير شمال إفريقيا كله من استعبادها، فعجلت بعقابه على قدر جرمه.

ولما أشرق على العالم نور الإسلام في أوائل القرن السادس الميلادي كان المغرب قد أصيب بالزمانة والعياء في جميع الميادين من جراء التدخل الأجنبي المختلف الذي سطا عليه من عدة قرون.

وما كادت طلائع الحملة الإسلامية تصل بلادنا، حتى وجدت أخبارها في معاملة الشعوب بالمساواة والحسنى قد سبقتها ومهدت لها، وإذا أراد الله أمرا هيأ أسبابه، فتعطشت النفوس للدين الذي تحمله، وتاقت القلوب لنقع غلتها من المعين الذي جاءت به، فتم بذلك الاستعداد لتلقيه واستقباله.

ولما كان الإسلام دينا عمليا يرمي من التطبيق إلى ظهور حسن أثره في حياة الإنسان الخاصة، وفيما بينه وبين الناس ليكون مثالا في مجتمعه، فإنه لا هوادة لديه في تطبيق جميع شعائره الأساسية المسماة فرائض، مع عدم إغفاله لمتممات أخرى لم يوجبها وجوبا إلزاميا، ولكنه رغب فيها بما وعد عليها من الثواب، وبما تجده النفوس عقب القيام بها من الغبطة والاطمئنان ولذة الشعور بالسمو الروحي. وذلك هو السر في كون مبادئ الإسلام إذا تمكنت من مجتمع سمت به نحو المثل العليا ماديا وروحيا:

أما ماديا فبما شرعه من وجوب الكد والكدح والسعي في الأرض للاستفادة من خباياها، وبما وضعه من الخطوط الرئيسية لضبط المعاملات بين الناس مهما قل شأنها: ?وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ? .. ?وَلاَ تَسْأَمُوْاْ أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيرًا أَو كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ? [من سورة البقرة: 282] ... ?وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ? [البقرة: 283] ، وسمى ربح التجارة فضلا أضافه إلى الله: ?فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ? [الجمعة: 10] ، إلى غير ذلك من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الضابطة للحياة العملية ضبطا أبديا مرنا على مسايرة جميع المجتمعات على اختلاف الأزمنة والأمكنة.

وأما روحيا فبما يشعه القيام بشعائره في النفوس من الفضيلة والسمو، والقصد في الاهتمام بالحياة الدنيا، والكف عن الإفراط في طلب ما فيها من بهجة ومتاع (إلا ذكر الله وما والاه) حتى لا تتعدى الغاية منها، وهي كونها زادا ومتاعا إلى حين.

وقد كان تمسك المسلمين الأولين بالدين في الدرجة التي تجعل أعداءهم يشهدون لهم بأنهم بالليل رهبان وبالنهار فرسان، كما جعلت طبيب دار الخلافة الأموية يختار لقطع رجل عروة بن الزبير بن العوام المصابة بالأكلة وقت سجوده في الصلاة، لئلا يشعر بالألم.

ومع ذلك فإنهم لا يكرهون من الدنيا ما أتاهم من طرق الحلال المشروعة، فقد تمنى شخص أن لو وجد ما على رأس الزبير بن العوام من الطيب عند رواحه إلى صلاة الجمعة، لجعله رأس مال للتجارة: ?قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ? [الأعراف: 32] .

ومن المعلوم أن أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه جهز جيشا كاملا من ماله الخاص، وخلف بعد وفاته تركة صولحت فيها إحدى نسائه الأربع عن حظها من الثمن بثمانين ألف دينار.

وإذا أوحى الإسلام إلى مطبقيه الاتصاف بالسمو الروحي وابتغاء ما أحل الله وأفاء من المتاع الدنيوي، فإن في ضمن ذلك أن يكون المسلم عالي الهمة شهما شجاعا متهيئا للقيام بالمهمة التي هو مخلوق لأجلها، وهي تبليغ الإسلام إلى من لم يبلغه بعد وبالوسائل الملائمة، لتكون كلمة الله هي العليا، وليتحد الناس في عبادته كما اتحدوا في استمداد وجودهم منه لأن قبس الإسلام كقبس الحرية، لم ?

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت