فهرس الكتاب

الصفحة 3140 من 5287

دعوة الحق، س4، ع 5 /فبراير 1961 ص11

إن من يستعرض حياة محمد الخامس وأساليبه في الحكم والسياسة ويمعن النظر فيها إمعانا دقيقا وعميقا لا بد أن يخرج منها بمبادئ ومقاييس تصورها مدرسة مذهبية تقوم على قواعد وأصول، ففي العهد البائد كان صاحب الجلالة الملك الراحل لا يتوفر إلا على جزء محدود ومحدود جدا من السلطة، غير أنه استطاع بهذا الجزء المحدود الضيق أن يقاوم الاستعمار، واستطاع أن يوسع دائرة هذه السلطة وأن يستخدمها في مصلحة الشعب، وكان في ذلك الوقت مخيرا فيما بين اتجاهين اثنين، فإما أن يستخدم هذه السلطة على شدة ضيقها في مصلحة شعبه فيدخل مع الاستعمار في صراع عنيف يهدد الجانب المادي في الجاه الذي كان الاستعمار مستعدا لأن يجعل مجاله فسيحا لدلالته، وإما أن يعرض الإعراض كله عن مثل الجاه المادي الممنوح ويصير على مضايقات الاستعمار لمدة قد تكون مراحلها شاقة وعسيرة، فاختارهذا الاتجاه الأخير وأعرض كل الإعراض عن الجاه المادي الممنوح الذي كان الاستعمار يغوي به الإقطاعيين من كبار القواد الذين دبروا معه فيما بعد المؤامرة المشهورة ضد محمد الخامس. ومما لا شك فيه أن الملك الراحل قرر من أول وهلة أن يغامر بهذه السلطة المحدودة، لأنها سلطة بتراء من جهة، ولأنها لا تتفق مع كرامة الشعب الذي تحمل مسؤوليته من جهة ثانية، وقد أبانت جميع الوقائع أن محمدا الخامس كان ملكا يقدر المسؤولية، لأنه كان ملكا يخاف الله، وكانت له نفسية الرئيس الذي يأبى أن يكون رئيسا اسميا. وهكذا ظل محمد الخامس يصاول الاستعمار بهذه السلطة المحدودة الضيقة حتى استطاع بكفاحه أن يكتسب سلطة على هامش تلك السلطة التي كان الاستعمار يضع تقنينها وتشريعها.

فحينما كانت الإقامة العامة تريد وضعه أمام الأمر الواقع بتسميتها بعض الموظفين كان جلالته يرفض هذا الأمر الواقع ويقف مواقفه المعروفة التي كان يظهر بها أمام الاستعمار أنه هو المشرع، ولئن لم يستطع ترويض الاستعمار ترويضا كاملا فإنه استطاع أن يغير القاعدة الاستعمارية التي تعود عليها الاستعمار لا في المغرب فحسب، ولكن في سائر البلاد التي ابتليت بالاستعمار، وابتليت مع الاستعمار بمسؤولين مسيرين لا مخيرين يستهويهم الجاه المادي الذي يقدمه الاستعمار لهم كرشوة في مقابل أن يكونوا سامعين مطيعين وأن يتنازلوا له عن سلطاتهم التي يمنحها حتى ولو كانت سلطات ضيقة وعلى غاية ما يمكن عليه الضيق.

إن محمدا الخامس قد أظهر في ممارسة السلطة الضيقة التي قبل الاستعمار أن يتركه يمارسها أنه ملك من نوع آخر، ملك لا يقبل رشوة الجاه المادي في مقابل أن يكون سامعا ومطيعا. وظل يطاول الاستعمار في دائرة هذه السلطة الضيقة إلى أن كانت أزمة سنة 1953 فضرب الاستعمار على وجهه بهذه السلطة، التي أرادها الاستعمار أن تكون ضيقة ثم يستغلها ولو أنها ضيقة، ضربه بها واتجه نحو الطائرة محاطا بزبانية الاستعمار ليهاجر في سبيل الله بعقيدته وإيمانه وكرامته، كان في إمكان محمد الخامس أن يستخدم سلطته الضيقة ليعين الاستعمار على تكبيل الشعب مثلما فعل ملوك وحكام آخرون لينعم بالجاه المادي، غير أنه استخدم هذه السلطة وكان يستخدمها أحيانا مع الاستعمار وهي مجردة عن التساهل والحلم اللذين عرف بهما فيما بعد حينما قبض على السلطة كلها وحينما تسلم مقاليد الدولة كلها بعد الاستقلال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت