فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
لقد آلت السلطة كلها إلى يد محمد الخامس بعد الاستقلال، ولكنه لم يستخدمها شأن المتكالبين على السلطة ولا فرضها فرضا على المواطنين، ولا اشتط في استعمالها، وفضل أن يتظاهر بالسلطة ليعرف كل مواطن بحقوقه وواجباته، لأن مدرسة محمد الخامس في الحكم والسياسة ترتكز على الحلم والتساهل وعلى الجاذبية الروحية في الاضطلاع بمسؤولية الحكم، أحسن من أن ترتكز على الرعب والسلطة الجامحة. وكان محمد الخامس مؤمنا بمبادئ مدرسته، وأظهرت هذه المبادئ أن نظرية محمد الخامس في الحكم تقوم على اختبار عميق للنفسية المغربية والبيئة المغربية، وهي نظرية ترتكز على على أساس"أكرم الكريم لتملكه"ومحمد الخامس كان يؤن كل الإيمان بأن الشعب المغربي شعب كريم وأن الحلم والتسامح والتساهل هي العوامل التي ينبغي أن يرتكز عليها أساس الحكم فيه، ومن ثم كانت نفسية محمد الخامس لا تجد أية صعوبة في أن تلجأ إلى الصفح والتسامح حتى مع أولائك الذين كادوا له مع الاستعمار وأعانوه على مضايقته واضطهاده واضطهاد شعبه، لأن مدرسة محمد الخامس ترى أن كسب الأعداء كلما أمكن كسبهم أفضل بكثير من تركهم أعداء، خصوصا إذا تحرك في هؤلاء الأعداء وازع الضمير. ومن فلسفة محمد الخامس أنه يمكن غزو الأعداء والمنحرفين بالتغاضي عما قد يصدر عنهم من تصرفات عدائية أو انحراف أصيل أو طارئ.
وتشهد بعض الوقائع الخاصة أن هذه النظرية تستند على مبدأ فلسفي، وتستند كذلك على صدق الفراسة، ومن صفات الملك الراحل صدق الفراسة والإلهام اللذين يكزنان معا دعامتين اساسيتين تقوم عليهما مذهبيته في الحياة والحكم والسياسة، ومن هنا اتسمت سياسة محمد الخامس بمثالية نادرة، ومن شأن كل سياسة مثالية أن تكسب صاحبها طول النفس في معالجة الأمور وعدم الاستعجال والانسياق مع العواطف المجرد. وكذلك تبدو بعض المواقف في حياة جلالته، وهي مواقف يتحكم فيه التأني الذي قد يعده البعض بطئا بينما هو في واقع الأمر التدبر الواعي الذي يسبق القارار الخطير.
كتب بعض الأوربيين من الذين اتصلوا بصاحب الجلالة الراحل يقول: «إن الشعبية التي يتمتع بها جلالته ترجع إلى صفة الملك الملهم الذي يعالج شؤون الحكم بوعي العقل الباطن، وكذلك اكتسبت علاقته مع شعبه صبغة يغلب عليها الجانب الروحي» ، وهي ملاحظة تنطوي على حقيقة بارزة في حياة الراحل الكريم، ولعل هذا الجانب هو الذي جعل جلالته يجعل من المكان الذي نفي إليه في ساعة الشدة موضعا يحج إليه، لأن الإنسان لا يريد أن يتذكر المحن التي مر بها ومرت به، ولكن محمدا ابن يوسف كان يصر على إحياء ذكرى المحن ليستحي منها العبرة وليعيش فيها ردحا من الزمن في هذه الغمرة الروحية التي كان جلالته يحن إلى العيش فيها حينا بعد حين. ولقد تجلى هذا الجانب الروحي الجاذبي - إن صح هذا التعبير- من خلال الصور الرائعة والرهيبة التي ظهر فيها الشعب المغربي أيام المصاب في جلالته. إنها صور لم يستطع أحد من الملاحظين تعليلهابتعليل مادي، لأن التعليل المادي أعجز من أن يعطي لهذه الصور مدلولها الحقيقي، وتجلى منها كذلك أن مذهبية محمد الخامس في الحكم وفي السياسة كانت مذهبية واقعية بالنسبة للبيئة المغربية وللواقع المغربي وبيئته. وعلى ضوء هذه النظرية العميقة كان جلالته يعد شعبه إعدادا متزنا ودقيقا لحياة عصرية تقتبس من العصر الحاضر أحسن ما فيه، وتعدل وتكيف ما هو في حاجة إلى التعديل والتكييف، لأنه من السهل جدا أن يتمنى الإنسان حياة خاصة لشعب من الشعوب، وإنما الصعب هو التدرج في مراحل هذه الحياة دون أن يصطدم هذا الإعداد بصدمة قد تنقلب إلى نكسة، ونعوذ بالله من النكسات التي تمنى بها الشعوب وخصوصا منها الناشئة.
ومما لا ريب فيه أن هذه المذهبية قد ربى عليها صاحب الجلالة محمد الخامس قدس الله روحه ابنه جلالة الملك الحسن الثاني، ومما لا شك فيه أيضا أن تأثيرها سينعكس على أعمال جلالة الملك الشاب في سياسته واضطلاعه بمسؤولية الملك، بل إن هذا التأثير أخذ يظهر بالفعل. ومن تخطيط سياسة الملك الراحل وتطبيق جلالة الملك الحسن الثاني ستستمر هذه الرابطة فيما بين العرش وتنمو وتقوى وتحصن الملك وتركز كيان الدولة على أسس متينة لتحتفظ بحصانتها أمام جميع المؤثرات التي تتنافى مع واقع المغرب وبيئته وخصائصه ومميزاته. وتلك هي القواعد التي تقوم عليها مذهبية محمد الخامس والتي ستقوم عليها مذهبية خلفه جلالة الملك الحسن الثاني.