فهرس الكتاب

الصفحة 4886 من 5287

دعوة الحق، س.6، ع5 /فبراير 1963 ص86

قصة العدد: الظلام والأحزان

للدكتور: محمد السرغيني

كان الليل معتما كأنه يريد أن يلف هذه المرئيات في عمى متصل، واغلب الظن أن المصابيح النابتة على رؤوس الجدران الخربة القديمة، والخيوط الضوئية النابعة من مرابض تقف بتحد على واجهات الشوارع فيما يوازي الأفق، كانت هي الأخرى متضامنة مع هذا العمى الليلي الحالك.

لم يفتر هذا الليل عن شرارة ضوء: النجوم والكواكب اللامعة منطفئة، وكل شيء منبثق من الأعماق يفشل في أمواج القتامة الأبدية.

كانت الشوارع القديمة الضيقة في فاس تسترخي مستلقية في حضن سراب ظلامي كالح، فكأنها كانت تتأوه من ثقل الإشعاعات الكهربائية الخاطفة، تلك التي تمحو عنها روعة الماضي وجلاله.

في هذه الأثناء، كان رجل متهرئ يزحف وراء حماره: عمامة خلقة ترسو بغير عناية على صلعة أجهد في أن يغطيها، ورأس تقبع في سواحله شعريات بيضاء بينما يكتسح الصلع كل ما يوازي العمامة في قمته، ووجه مثلث ناتئ العظام، وفم ذو لثغة جوعية حين ينفتح عن أسنان محالة مطحلبة غير منتظمة، وعينان غائرتان تندران بالضياع، وهما تطلان من القمة على انف مستطيل معوج إلى اليسار من أرنبته.

كان هذا الرجل على العموم ذا سحنة بربرية، تفصح قامته الصفصافية تجمد بشرته على العظام ونتوء العروق من أغلب ما ظهر من أعضائه عن ذلك، كان يزحف وراء حماره، من غير أن يسمع حفيف وقع قدميه المنتعلتين حذاء مطاطيا، أما حماره، فقد كانت الصفائح الحديدية الأربع التي تتشبث بحوافره، تحدث نقيفا منتظما وهي تصطدم بالحجارة الغرانيتية التي رصفت بها شوارع فاس القديمة.

وصاح صيحة مكتومة وهو يتحسس الحائط بيده، بينما يدفع حماره باليد الأخرى ليستحثه على السير: (أراه يخيل إلي أن ليس هناك غير الحمير) ، وتابع تحسسه للجدار الأجرب مظهرا برمه بهذا الظلام السائد، وفكر:

(هذا الظلام لا يستطيع أن يستمر، أنا لا أحبه، ومع ذلك، فهناك ظلام آخر، ينبثق من خلال هذه الأشعة نفسها، من(النيون) أيضا، هناك ظلام يأتي من أعلى، ظلام يجعلني أكثر ارتباطا بهذا الحمار مني بأي شيء آخر)، وتنبه فجأة إلى انه مدعو إلى أن يبدد عن نفسه وعن الحمار أيضا هذه الزوبعة الحاقدة، وساعدته ذاكرته على ذلك، فبدأ يلهج بخفوت ببعض الأذكار والأمداح النبوية، وكان حينما يندمج بصوفية في اذكاره، لا يلبث صوته أن يعلو، فيتطاير شذرات مع ندواة الفجر لتتلقفه الجدران التي يخفيها الظلام، كان مؤمنا: فقد كان لا يخرج حماره من مربطه إلا بعد أن يكون قد انهى حسابه مع السماء، وهو فوق ذلك: من الذين يقومون قبل الفجر، ليرضي الله، وليسبق الآخرين في البحث عن الخبز، وحتى حماره، كان يلقي منه معاملة شيقة: كان يملأ مدوده بأحسن أنواع العلف ولم يكن ليتركه كنبتة برية يعيش، بل كان يخضعه إلى تقبل حياة منتظمة من اجل صحته، من أجل أن (يحج عليه) لأنه ضمانته الوحيدة.

وتحرك وهو يتأرجح على أمواج الظلام، ونهر حماره حتى سمع نفسه، وحين جد الحمار في السير، أخذ يسبح ويدعو متمتما:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت