دعوة الحق، س 1، ع8/ يبراير 1958 ص8
للأستاذ عبد العزيز بن إدريس
من المعلوم أن الدين الإسلامي مجموعة نظم روحية واقتصادية واجتماعية وخلقية، لا يمكن أن يعد المسلم مسلما بالمعنى الصحيح الكامل إلا إذا مارسها ونظم حياته على أساسها.
ولست أعني بهذا أن الدين الإسلامي لا يعتبر الإنسان مسلما إلا إذا طبقها بدقة ولم يخرج عنها قيد شعرة، وإنما قصدي أن الإسلام ليس دينا سطحيا اسميا يكتفي من الإنسان بمجرد الانتساب إليه ولا يطالبه بممارسة نظم معينة، فالإسلام يمتاز من دون بقية الأديان بكونه وضع حلولا واقعية لمشاكل الإنسان، وعلاجات عملية لجميع الأدواء التي تتخبط فيها البشرية منذ عرفت الحياة، وقد برهنت التجربة على أن الإنسانية تشقى على قدر بعدها منها وتسعد بمقدار قربها منها.
واليوم تبدو لنا في كثير من مجتمعاتنا ظاهرة من ظواهر البعد عن الإسلام، وصورة من صور الانحراف في فهمه ذلك أنك تجد أشخاصا يفيضون عصبية وحماسا للإسلام، ويطفحون غضبا وحنقا على أعدائه، بحيث يعتقد من رآهم لأول وهلة أنهم قد أشربوا مبادئ دينهم ودرسوها حق الدرس، وعرفوا لها قيمتها واعترفوا بسموها، ولكنك لا تلبث بعد أن تخبرهم قليلا أن تكتشف أنهم بعداء أشد البعد عن روح الإسلام، وأنهم لا يعرفون أبسط مبادئه، ولا يمارسون أبسط قواعده الأساسية، بل ربما أقدموا في اطمئنان على مخالفته وارتكاب ما نهى عنه، وتلبسوا في هدوء بجرائم تحريمها معلوم من الدين بالضرورة، كما يقولون، فما هي علة هذه الظاهرة يا ترى؟
إن قرائن أحوال هذه الطائفة تدل على أنهم قد أعطوا لكلمة الدين معنى آخر غير معناها الحقيقي، فقد أرادوا أن تكون لها صفة الفكرة العنصرية، وطابع العقيدة الجنسية، التي تقتضي من الإنسان أن يتعصب لها تعصبا أعمى، غير مفكر في معناها، ولا ناظر في حقيقة أمرها، ولقد كان هذا النوع من الانحراف في مفهوم كلمة الدين معروفا إبان نزول القرآن، وكان اليهود والنصارى يكتفون من أتباعهم بمجرد الانتساب الاسمى، والقيام ببعض الشعائر السطحية، ويجعلون الحظوة عند الله والنجاة من عقابه مرتبطتين بالانتساب لهذا الدين أو ذاك، مهما كان نصيب المنتسب إليه من الأعمال الصالحة ضئيلا، وسرت هذه الظاهرة إلى بعض المسلمين إبان التنزيل، فجعلوا هم بدورهم يعتقدون أن الانتساب إلى الإسلام كاف للنجاة من العذاب الأليم، وفي الحظوة بالنعيم.
وقد رد الله جل علاه هذا الأمر إلى نصابه، وصحح هذا الوضع الخاطئ، وذلك في عدة آيات من كتاب الله، بين فيها بصراحة ووضوح وبصرامة أحيانا، أن الحظوة لدى رب العالمين، والنجاة من عذابه، مقرونتان بحظ المؤمن من الأعمال الصالحة، بمعنى أن الانتساب لدين من الأديان لا أثر له مطلقا في مصيره. وإنما مصيره مرتبط أشد الارتباط بدرجة تطبيقه لمبادئ الدين ونظمه في الحياة، وهذه الحقيقة تبدو واضحة جلية لكل من تتبع نصوص الشريعة، واستقرأ أهدافها وعرف ما ترمي إليه، اقرأ قوله تعالى في سورة البقرة، وهي السورة التي تكاد تكون خاصة بجدال اليهود وكشف عيوب رؤسائهم وبيان انحرافهم عن أهداف دين الله الحقيقي:
?إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ ولاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ.? [البقرة: 62]