دعوة الحق، س 1، ع8/ يبراير 1958 ص9
فقد جعلت هذه الآية فوز الإنسان بالأجر عند الله واطمئنانه على مصيره متوقفين على الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح، وذلك بالنسبة إلى جميع طوائف الأديان المعروفة إذ ذاك، ومنهم المسلمون الذين عبرت عنهم الآية بالذين آمنوا، فهذا صريح في أن الألقاب مهما كانت لامعة، فلا أثر لها في الدرجة عند الله
واقرأ قوله تعالى في سورة المائدة التي عنيت عناية كبرى بجدال أهل الكتاب وخاصة النصارى:
?إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ? [المائدة 69] .
واقرأ قوله تعالى في سورة البقرة: ?بَلَى؛ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ?) [البقرة 81] جوابا لليهود الذين قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة.
وأصرح من هذه الآيات قوله تعالى في سورة النساء: ?لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا? [النساء 123] .
فقد جعلت هذه الآية الاعتماد على الألقاب والانتساب إلى الدين الفلاني في النجاة من العقاب بمنزلة الأماني، أي ما يتمناه الإنسان ويحبه من دون أن يتخذ الوسائل العادية للحصول عليه، وصرحت كذلك بأن الإنسان مهما كان الدين الذي ينتسب إليه، مرهون بآثامه وسيئاته، معرض لأن يجازى عليها
ويطول بنا الأمر لو أردنا أن نتعرض للآيات التي عرضت لهذا المعنى، ويكفي أن نعرف أن الإسلام بني على الصراحة والوضوح واعتبار عمل الإنسان دون نسبه أو انتسابه، ?إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ? [الحجرات: 13] أي: إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى أعمالكم وقلوبكم أو كما قال صلى الله عيه وسلم، ويقوى ما دلت عليه هذه الآيات الأمور الآتية:
1)مدلول كلمة الإسلام كما تقدمها الآيات الكريمة، فإن معناها إسلام الوجه لله، والخضوع التام، والانقياد الكامل، قال تعالى ?وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا? [النساء: 125ٍ]
وقال سبحانه ?فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ20? [آل عمران: 20] وهذا المدلول لكلمة الإسلام يتفق تماما مع مدلوله اللغوي، ومعنى هذا أن من دخل في الدين الإسلامي فقد عقد مع الله عقدا على أن يتنازل عن هواه، ويخضع نفسه لله، ويحيا حياة مطابقة للنظام الذي يسنه له.
2)إن الله لا يقبل أنصاف الحلول، ولا يريد من المؤمن ألا يكون مخلصا لله بجميع قلبه لا تشوبه شائبة، ?وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ? [البينة: 5] ، ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ? [النساء 135] .
3)حمل القرءان الكريم للمؤمن مسؤولية نفسه، وجعله رقيبا عليها، وذلك في قوله تعالى، ?بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ? [القيامة 14 - 15] .
4)اعتبار القرءان الكريم النفاق من أعظم الرذائل التي يستحق الإنسان عليها أقسى العقاب، قال الله سبحانه: ?إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرَكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا? [النساء 145] .
ومن الواضح أن إعراض المؤمن عن تطبيق النظام الذي شرعه له الله في حياته، والانصراف عنه إلى نظام آخر يخالفه في المبادئ والأهداف، ليس إلا ضربا من النفاق العملي، لأنه تناقض بين ظاهر الإنسان وباطنه، وسره وعلنه.
ثم إن ظاهرة الاكتفاء بالانتساب إلى الدين، أصبحت واضحة في كثير من المجتمعات والأوساط الإسلامية، ولاسيما أولئك الذين أخذوا يعيشون حياة عصرية أو تقدمية كما يسمونها، أو كما يحلو لهم أن يصفوا أنفسهم، فيطبقون هذه الفكرة بصفة عادية أسوة بالأوربيين الذين يسمون الشؤون الدينية بالأمور الشخصية التي لا يجمل بالإنسان أن يتدخل فيها.