فهرس الكتاب

الصفحة 287 من 5287

دعوة الحق، س 1، ع8/ يبراير 1958 ص10

وقد تسربت هذه الفكرة بطريق العدوى إلى غير الأوساط الثقافية، وأصبحنا نرى في الأوساط التي كانت في ما مضى معروفة بالاهتمام والتشبت بأهداف الدين، أصبحت أقل إكتراثا وأضعف عناية.

وليس استقرار هذه الظاهرة في أوساطنا إلا نموذجا ناطقا للاستعمار الفكري الذي أشربته قلوبنا وشغفنا به حبا، وهي بعد النتيجة التي أسفرت عنها الحرب المريرة التي قامت بين أحرار الفكر المستقلين وبين رجال الكهنوت في فجر النهضة الحديثة، فلقد اضطرت الكنيسة إلى الاستسلام والخضوع دون قيد أو شرط أمام تيار الأفكار المادية الجارفة، ولولا أن الخضوع لقوة غيبية أمر غريزي في الإنسان لما بقي للكنيسة ظل في كثير من الأقطار.

نعم اضطرت الكنيسة تحت ضغط الظروف إلى أن ترضى من الغنيمة بالإياب، وأن تكتفي من أتباعها بأقل علاقة مهما كانت واهية، فتعتبرهم مسيحيين ولو كانوا لا يطبقون أبسط القواعد الكنيسية، فنتج عن ذلك أن تطبعت الأجيال التي عاشت في هذا الوسط بطابع اللامبالاة، واعتبار الدين شيئا تافها في الحياة لا تتوقف عليه أية حاجة من حاجات الإنسان.

وهذه الحالة تسربت إلينا في جملة ما جاءتنا به المدنية من مساوئ، وصرنا نعتبر أن الدين عقيدة دون عمل، وفكرة دون تطبيق، وكلمة يلوكها الإنسان بلسانه ويفخر بها بملء فيه.

على أن ضحايا الاستعمار الفكري ذهبوا في تطبيق مبدأ اللامبالاة مذهبا أبعد مدى مما ذهب إليه أساتذتهم الأوروبيون، وذلك أنك تجد كثيرا من الأوروبيين ممن يزعمون أنهم ماديون، أو يزعم الناس لهم ذلك، قلما يتأخرون عن الذهاب إلى الكنيسة كل يوم أحد، لسماع وعظ الراهب وإن لم يكن له وقع في نفوسهم، وذلك لملء الفراغ الذي يحسونه في باطنهم من جراء ابتعادهم عن فكرة التدين، ومحاولتهم الحياة بدون عقيدة، بينما لا تكاد تجد شبابنا من النوع الذي ذكرنا، من يذهب إلى المساجد ولو في يوم الجمعة، بدعوى أن الخطيب جامد أو تمتام أو بدعوى كثرة الأشغال.

والخلاصة أن الإسلام يريد من المؤمن أن يعيش حياة متزنة في نفسه، وأن لا يكون ظاهره يخالف باطنه، وعمله يعاكس قوله، وذلك لجلب الاطمئنان النفسي والهناء الباطني الذي هو أكبر غاية يهدف إليها الإنسان.

دعاء نحوي

سمع أعرابي أبا المكنوز يقول في دعاء الاستسقاء: اللهم ربنا والهنا ومولانا، فصل على محمد نبينا ومن أراد بنا سوءا فأحط ذلك السوء به، كإحاطة القلائد بأعناق الولائد، ثم أرسخه على هامته كرسوخ السجيل على هام أصحاب الفيل، اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريعا مجلجلا، طبقا غدقا متعنجرا نافعا لعامتنا وغير ضار لخاصتنا. فقال الأعرابي: يا خليفة نوح، هذا الطوفان ورب الكعبة! دعني حتى آوي إلى جبل يعصمني من الماء.

غني حرب

جلس غني حرب يصف لصديقه الدار التي شيدها لسكناه فقال: ... وفد جعلت بها ثلاثة مسابح، فابتدره الصديق قائلا: ولكن لماذا ثلاثة مسابح؟ أليس في واحد كفاية.

فقال الغني: واحد للماء البارد، والآخر للماء الحار، والثالث بلا ماء.

فأجابه الصديق: الماء البارد والحار، نعم ولكن ما فائدة الذي لا ماء فيه؟

فقال: إنك لا تفكر جيدا يا صديقي! إنه للذين لا يحسنون السباحة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت