فهرس الكتاب

الصفحة 4076 من 5287

دعوة الحق، س5،ع6/ مارس 1962 ص 31

للأستاذ محمد زنيبر

تطلع علينا الحياة كل يوم بوجه جديد، ولعل هذا سر تعلقنا بها، فلوكنا نعلم سابقا ماتخبئه لنا في الغد لبطل سحرها وفترت جاذبيتها ولم يبق أمامنا إلا الفراغ والعدم، فالحياة، في الواقع، ما هي إلا رواية طويلة متسلسلة نتتبع فصولها واحدا فواحدا ونبقى متلهفين ومشتاقين إلى معرفة الفصول الباقية، ونحن تجاه هذه الرواية قد نقف مواقف مختلفة.

فتارة نبقى على الهامش ونتفرج من بعيد ونضحك على هذه الحادثة ونتألم من تلك، ونسخر من هذا ونرثى لذاك، ولكننا، في كل هذه الأحول يخيل إلينا أننا أذكى من الغير وأدهى منهم لأننا نتفرج عليهم ولا نتركهم يتفرجون علينا ولأننا نبقى في موقف القوي بينما هم يظهرون ضعفهم، ولكن، لنترو قليلا ونبحث في أنفسنا بشيء من التمحيص، فلربما تبينا لنا أن ما كنا نعتقده قوة ومناعة، إنما هو في الحقيقة برودة طبع وفقر في الشعور ونضوب في الخيال، فالشخص الذي يبدي عواطفه أمامنا بدون تحفظ أو حياء مزيف فيغضب في ساعة الغضب، ويفرح في ساعة الفرح، ويجرؤ أمام المجتمع على الإفصاح عن أفكاره ورغباته، إنما هو الرجل الذي يتمتع بشخصية حقيقية، لأنه يذهب قاصدا نحو الأهداف التي رسمها لنفسه ويتحمل مسؤولية أعماله بشجاعة أمام الأبصار الشاخصة إليه من كل جانب، فهو لا يكذب على نفسه ولا يذهب ضحية الغرور، ولا ينخذع بالسراب بل إنه يعيش حياته بكامل جوارحه ويقبل عليها إقبال صدق وجد ويحاول أن يصنع منها شيئا، إننا نضحك على مثل هذا الشخص ونهزأ من انفعالاته وحركاته الفجائية وثرثرته، ولكنه بالرغم من ذلك يبقى متفوقا علينا في جوهر الأمور، فهو البطل الذي يعيش قصته، بل يصنعها من العدم يوما بعد يوم، أما نحن فماذا نكون؟ إننا لا نزيد على كوننا نقنع بمقعد المتفرج العادي.

وطورا نندفع نحو الحركة، نحو العمل، ونريد أن نبرز بشيء في الحياة، شيء يجعل لوجودنا معنى في أعيننا وفي أعين الغير، وما نخطو خطواتنا الأولى في هذا السبيل حتى ندرك أننا تحملنا مسؤولية جسيمة، لقد كنا مستورين وسط الجمهور لما كنا في ركن المتفرج، أما وقد برزنا وسط المسرح، فقد أصبح لنا وجه وشخصية يجب أن نصونهما ونحافظ عليهما وندافع عنهما، لقد أصبحنا معرضين لنقد الناقدين وقذف الأعداء وملاحظات الأصدقاء ونفاق الأعداء الذين يلبسون ثوب الأصدقاء، ها نحن الآن نجد أنفسنا وسط الخضم وحولنا الأمواج تصطخب من كل جانب ماذا نعمل؟ هل نختار طريق السلامة فنرجع تائبين مستكينين إلى زاويتنا المتواضعة، زاوية المتفرج أم نتقدم نحو الخطر والهول والمجهول ونستمر في السير؟

إن شاطئ السلامة والدعة والراحة لا زال قريبا منا ولا زال يبسم لنا من بعيد ويعرض علينا كل مغرياته وما لنا وهذا العناد؟ وما لنا وركوب الخطر والمشقة والحياة حلوة مريئة بجانبنا؟ لنترك المغامرة، إذن ولنعد إلى الشاطئ.

وهكذا نتراجع شيئا فشيئا وننزوي بصمت وتواضع في مقعدنا لأننا لا نريد أن يرانا الغير وقد ذهبت عنا دواعي الفخر والكبرياء.

لقد خانتنا الشجاعة في وسط الطريق وأجفلت نفوسنا أمام ضخامة المجهود الذي ينتظرنا، وفي وسط الطريق يحتاج الرجل الذي ينشد البطولة إلى الثبات والجلد، وفيه يقبض على مصيره بيديه فيرفعه أو ينخفض به، إن طريق البطولة يكتنفها الترغيب والترهيب، ولكنها تغري كل رجل حرابي لأنها تخرجه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت