فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
من تلك الحياة الرخيصة المبتذلة السهلة التي يهوى فيها كثير من الناس ويقبرون أنفسهم وكأنهم دخلوا في قبور من زجاج ينتظرون الموت.
ها نحن أولاء نقوي عزائمنا ونسلك هذا السبيل المحفوف بالأخطار، ولكنه، على ما يتراءى لنا، سبيل الحياة الحقيقية، وقد يطول سيرنا فيه، وقد لا نجد في نهايته أي شيء ما عدا هذا الانتصار الذي حققناه على نفوسنا وعلى ضعفنا وعلى تلك الوساوس والمغريات المثبطة التي كانت تتهامس في أفئدتنا.
ومهما يكن، فاليون شاسع بين الموقفين: الموقف السلبي للرجل المتفرج الذي لا طموح له، والموقف الإيجابي للرجل الذي يريد أن يقترن وجوده في الحياة بأثر يشهد عليه ويتوازن مع حجم شخصيته، وبديهي أن العالم ما كان ليسير ويتطور لو لم يوجد الرجل الثاني وأن التاريخ مدين له بالشيء الكثير.
وليس من الضروري ولا من المفيد أن يكون كل الرجال من الصنف الثاني، ففي كل مجتمع حي لا توجد إلا أقلية من المبتكرين والمؤسسن، فهم كالملح في الطعام لا ينبغي أن يتجاوزوا مقدارا معينا.
وهنالك موقف ثالث، وهو الذي يجعلنا ننظر إلى الحياة لا نظرة الواقع، ولكن نظرة من ينشد الجمال أي نظرو الفنان، وليس معنى هذا أن الفنان يجهل الواقع ولا أن الجمال يتنافى وجوبا مع الواقع، وإنما كون الفنان يكيف بشعوره وخياله عالما آخر قد يقترب من الواقع وقد يبتعد عنه، ولكنه عالم ينبني على فكرة جمالية.
فاذا كان الفنان يجد في الواقع الصورة التي ينشد، فكيفية أن يمسك ريشة الرسام ليقدم لنا المشاهد والمناظر التي تعطي في رأيه فكرة حقيقية عن الحياة وكنهها.
وقد يكون مقبلا على الحياة ينسجم ويتجاوب معها بشعوره وفكره، فينعكس ذلك على فنه وتجد فيه معها بشعوره وفكره، فينعكس ذلك على فنه وتجد فيه المصور المتحمس الذي يكشف لك عن الوجود صورا ضاحكة مشرقة طريفة، فهو الشاعر الذي يتغنى بسعادته وهو المنشد الذي يسحره الكون بأنواره المشعة وألوانه الزاهية وبهجته فلا يفتأ في ترانيمه وتراجيعه، ففنه، على كل حال، محلمة شعرية ذات فصول مختلفة كلها مدح للحياة وتغزل فيها.
وقد يكون الفنان، بالعكس، برما بالحياة متضافيا متضايقا منها لا يرى فيها إلا شقاء وتعبا وبؤسا ولا تثير في نفسه إلا الشعور بالعبث والسخف والدمامة، فيكون فنه تصويرا لمأساة الإنسان في العالم وما يكابده من أهوال ومحن، وما يلاقيه من أنواع القساوة والجور من الطبيعة ومن أخيه الإنسان وما يحمل في نفسه من تناقض وضعف، إنها صورة تبعث تارة على التشاؤم واليأس وطورا على الغضب والنقمة والثورة، ولكنها صورة تنتزع الإنسان من مقعد الراحة والاستسلام.
وقد ينصرف الفنان عن الحياة الواقعية بالمرة ليصور لنا عالما مثاليا، العالم الذي يتمنى أن يعيش فيه، عالم الصدق والطهارة، عالم الملائكة ذوي النظرات الواضحة الصافية والعواطف النبيلة السامية، إنها صورة تربط بالواقع لأنها مقلوبة عنه، إنه العالم الذي ترتاح إليه نفوسنا ونفر إليه بأحلامنا عندما نضيق بعالمنا الواقعي وما يخيم عليه من بؤس وسخافة.
ومهما يكن، فالفنان وإن كان هدفه هو الجمال فهو لا يأتيه من جهة واحدة وإنما من جهات متعددة لا حصر لها، ومن هنا أمكن أن يكون لكل فنان حقيقي شخصيته وأسلوبه اللذان يتميز بهما.
تلك بعض المواقف التي يمكن للإنسان أن يقفها من الحياة، موقف المتفرج، وموقف الرجل العامل، وموقف الفنان، فالأول يبقى في سلبيته مستريحا من كل مسؤولية، والثاني لا يرى معنى لوجوده إلا في تحمل المسؤوليات الصعبة وتأكيد ذلك الوجود بالعمل الإيجابي، والثالث يعيد خلق العالم حسب حاسته الجمالية.
ولكن هذه المواقف وإن اختلفت وتباعدت في اتجاهها، فإنها تلتقي عند نقطة واحدة وهي أن الحياة لا بد وأن تمسك الإنسان في شبكتها وتجرفه في تيارها وتستبد بالجزء الأوفر من تفكيره واهتمامه، فكلنا، مهما