فهرس الكتاب

الصفحة 4078 من 5287

كنا، ومهما انشغلنا بالعمل المسترسل أو بالفن أو باللذة أو بغير ذلك نظل متطلعين إلى ما يأتي به الغد المجهول وننتظر وفي انتظارنا خوف وشوق، وهذا هو السر الذي تجتذبنا به الحياة إليها، من حيث لم نكن نريد ونتوقع، وما أضعف جيلنا ووسائلنا الإنسانية أمام إغراء المجهول.

نعم إننا كلنا ننتظر شيئا من الحياة، في لهفة واشتياق، ولكن، كلما حصلنا فيها على مرغوب نقول ليس هو الشيء الذي كنا نبحث عنه، بحيث اأننا نظل إلى ساعة الممات ونحن في حالة الانتظار، فماذا ننتظر؟ إنه يصعب علينا أن نعين شيئا بالذات، وكل ما نعلم هو أننا لا يمكننا أن نعيش بدون ذلك الانتظار، فنحن أشبه ما نكون بالذي يأتي للموعد آملا أن لا يلقى صاحبه حتى يبقى دائما في انتظاره.

وهذا ما سماه بعض المفكرين في هذا العصر بعبث الوجود، وسخافته، ويكفي أن نقف في كل لحظة من لحظات حياتنا فاحصين مستكشفين لنجد صورة أو صورا للعبث، ويكفي أن نعود إلى فكرة الانتظار لنرى فيها صورة للتناقض الجدلي الذي ينم عن مأساة الإنسان في الوجود، فكل الناس يتضايقون بساعة الانتظار في المقهى، في محطة القطار، في أي مكان. ولكن، كم مرة وجدوا أن ساعة الانتظار كانت أحسن من ساعة اللقاء، وهكذا فالزمان الذي كان يعتبر ثانويا ضائعا اكتسب من بعد أهمية وامتيازا في أعيننا، بينما الزمان الذي كنا نراه أساسيا ملان بالنسبة إلينا وجدناه باردا، خاليا من المفاجأة التي كنا نطمع فيها، ونجد في النهاية أن ترتيبنا للأشياء في هذا العالم يصطدم بترتيب آخر لا يحفل مطلقا بسلم القيم الذي أمنا به واتخذناه معيارا لنا في الحياة.

وهذه صورة أخرى للعبث، لقد رأيت منذ ساعة وردة جميلة يتلاعب بها الريح في شجيرتها، فوقفت مبهوتا أنظر إليها وأحدث رفاقي عنها، وكلي إعجاب وطرب، ولم أتمالك عن قطفها وأنا فرحان، ولكن انتهى كل شيء مع الاقتطاف، فما وقعت في حيازتي حتى نسيتها ولم أعد ألتفت إليها، إننا لا نتعلق إلا بما هو بعيد عنا، وقيمة الشيء مرتبطة بصعوبة إدراكه، وأي جوهر يبقى للقيم، إذا نظرنا إليها بهذا المنظار النسبي؟

ومثال الوردة هو مثال العاشق الذي يدنفه الغرام فيعيش في ألم وسهاد وصورة من يحب لا تفارق فكره، حتى إذا ابتسم له الحظ واجتمع بمحبوبه، نزل من عالم الأحلام إلى الواقع وأدرك أن خياله كان يكذب عليه ويذكي جذوة الشعور في نفسه ويوهمه أن لقائه بالمحبوب حدث عظيم وعجيب تنتهي عنده كل الأحداث وتقصر دونه كل الغايات، ولكن، ها هو الآن أمام الواقع وقد طارت النشوة من رأسه، فماذا بقي من أحلامه؟ وكم ليال سهر؟ وكم دموع سكب؟ وكم كابد من أشجان وأحزان؟ كل ذلك لهذا السراب الذي يسمونه الحب، ألم يكن ألعوبة في يد الأحداث وفي يد نفسه قبل كل شيء؟

ويغلق العاشق المخدوع عينيه حتى لا يرى من قريب هذه الحقائق المرة ويكره الحياة وييأس منها، ويختم هذا الفصل من الرواية التي لا تنتهي في الجو البارد، المعتاد، المبتذل، لينتقل إلى الفصل التالي مشوقا متلهفا وقد أخذ القنوط والسآمة من نفسه كل مأخذ.

وتسألني: أين نقطة الارتكاز التي يعود إليها الإنسان كلما ضل عن الطريق وتاه؟ أين هي الحقيقة النهائية التي يتمسك بها وتجعله قويا أمام الأحداث الطارئة؟

وأجيبك أنه لا توجد نقطة للارتكاز، فنحن نسبح في بحر واسع بعدت عنه الأراضي، وكل نقطة منه تشبه أختها، فالمهم هو أن نقطعه بدون تعب ولا ملل، أجل، إن كل ساعات الحياة تتشابه مثلما تتشابه قطرات الماء، فلنمر من الساعة إلى التي تليها دون أن نفقد شجاعتنا ويختل توازننا، فساعات العمر ما أكثرها.

ولكن المصيبة، كل المصيبة، هي في أن تأتي إحداهن فتفسد علينا ما بقي منها، فلنضعها أمامنا إذن كما يضع البخيل دراهمه نصب عينيه ليتملى برؤيتها وينفق منها بتأن وحيطة وحذر.

سلا: محمد زنيبر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت