فهرس الكتاب

الصفحة 4079 من 5287

دعوة الحق، س5،ع6/ مارس 1962 ص 34

تجديد الشابي بين روافد الشرق والغرب

للأستاذ عباس الجراري

بدا لي الشابي كما يبدو لكل من يدرس أشعاره وأقواله في الأدب والنقد، أنه يتقن لغة أجنبية يجيد بواسطتها فهم كثير من آداب هذه اللغة وغيرها تذوقا وتأثرا، فهو مجدد في شعره ووجداني في نزعته، ثم هو معجب بالأدب الغربي ومتحايل على الأدب العربي، مما لا يدع مجالا للشك في أنه درس لغة أروبية حديثة ربما كانت الفرنسية. وكم كانت دهشتي وأنا أطالع بعض ما كتب عن حياته، حين علمت أن حدود معرفته لا تتجاوز اللغة العربية والثقافة الإسلامية، فهو خريج جامعة الزيتونة التي لا تختلف كثيرا أو قليلا عن الأزهر والقرويين، أي أن دراسته تقليدية لا تتعدى العلوم الشرعية واللسانية، إذا تعدتها فإلى الأدب القديم ومحاولة تمثله ومحاكاته.

لكن شيئا كاد يحول دون اقتناعي بهذه الحقيقة، ذلك هو التحاق الشابي بكلية الحقوق بعد حصوله على شهادة (التطويع) من الجامعة الإسلامية، وإذا كنا نقبل أن تكون الزيتونة معهدا عربيا خالصا فإننا لا نقبل أن تكون كلية الحقوق عربية كذلك لسبب بسيط هو أن الاستعمار الفرنسي قد فرض لغته وجعلها إجبارية، بل هي الأولى في جميع مراحل التعليم، وإذا كان قد تخلى عن الزيتونة، لم يحاول فرنستها لعوامل وأسباب، فهو لن يترك معهدا لحقوق، ينشأ في كنفه، أن تكون العربية لغته الوحيدة، هذا بالإضافة إلى أن التعليم العالي حتى في البلاد العربية المستقلة لا يخلو من تدريس لغة أجنبية إلى جانب اللغة الوطنية.

ولم ألبث في غمرة من الشك أن اتصلت ببعض مواطني الشابي، وكان فيهم من زاول التعليم بهذا المعهد الحقوقي، فتبين لي أنه منذ إنشائه حتى الآن، ليس أكثر من مدرسة متوسطة يلتحق بها من حصل على ثانوية الزيتونة، يلقن فيها خلال ثلاث سنوات وباللغة العربية وحدها، مبادئ بعض القوانين الوطنية منها بصفة خاصة، ثم يحرز على شهادة تسمح له بالاشتغال في المحاكم الأهلية، وانتهت إلى أن الشابي لم يدرس أية لغة أجنبية تخوله القراءة في آدابها، وأنه ثقف نفسه ثقافة شعرية عربية هذبت طبعه وسليقته، وأن ما نرى من تحامله على أدب قومه وإعجابه بالأدب الأوربي إن هو إلا مظهر من مظاهر روحه الثائر الطموح ورغبته الملحة في التطوير والتجديد. وبعد أن كان في عزمي أن أتخذ من تأثر الشابي بالأدب الفرنسي موضوعا لدراسته، عدلت عنه إلى ما ستكشف عنه سطور هذا البحث القصير الذي لم تكتمل له أسباب دراسة عميقة من مراجع وافية ووقت طويل.

ولا شك أن الشابي في نشأته الأولى، وقبل أن يتأثر بالعوامل الخارجية، كان قد تتبع حركة التجديد التي عاصرته في تونس، وشارك فيها متأثرا بمبادئها ثم مؤثرا فيها، وهي الحركة التي قاربت بين الأدب والشعب وطرق شعرائها موضاعات غيالاجتماع والسياسة والوطنية عامة.

فالهادي المدني كان يؤر بحماسياته على جماهير الشعب، والطاهر الحداد كان يدعو الشعب في شعره إلى النهوض والكفاح ويكثر من تصوير مآسي الاستعمار، وظهرت عند بعضهم ممن تأثروا بالأدب الفرنسي نزعة رومانسية تدعو إلى الثورة على الأدب العربي والتركيز على الوجدان وضرورة التعبير عن النفس وشعور الفرد، ومن وراء تلك النفس وهذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت