فهرس الكتاب

الصفحة 849 من 5287

دعوة الحق، س.2، ع3 /دجنبر 1958 ص 13

للأستاذ: محمد المبارك

عميد كلية الشريعة جامعة دمشق

... وبعد، فقد اطلعت على مقال نشرتموه في عدد ربيع الأول في مجلتكم الغراء، كتبه المحجوب ابن ميلان، أحد أعضاء الوفد التونسي إلى مؤتمر الدراسات الإسلامية الذي عقد في مدينة لاهور في الباكستان في أواخر عام 1957 وقلتم إنكم آثرتم نشر المقال بعد أن تريثتم بسبب عبارات غير لائقة وردت فيه، ثم آثرتم نشره لفتح المجال للرد عليه.

ولما كان المقال قد تضمن تشويها للحقائق وتعريضا بشخصيات علمية معروفة في العالم العربي والإسلامي، كالأستاذ محمد أبو زهرة وكيل كلية الحقوق بالقاهرة، والأستاذ مصطفى الزرقا أستاذ الشريعة والقانون المدني في كلية الحقوق بدمشق، وهما من أعلام الفكر وأركان الشريعة والقانون، ولهما من المؤلفات الإبداعية القيمة ما يقف أمامه كاتب المقال موقف التلميذ الصغير، لذلك رأيت من واجبي تصحيح الحقائق، وإلزام المتطاول حده، وإعطاء صورة صادقة عما جرى في المؤتمر، مما يمس الموضوع ن ويوضح الباعث الذي دفع كاتب المقال إلى هذه الكتابة التي تفيض حقدا على الوفدين السوري والمصري.

إن من السهل أن يفهم القارئ سر هذا المقال والدافع إليه بعد أن يعرف الوقائع التالية: فقد كان يعهد في كل جلسة من جلسات المؤتمر إلى رئيس وفد من الوفود المشتركة فيه، وإذ كان رئيس الوفد التونسي المرحوم السيد على البهلوان غائبا، فقد تصدى السيد محجوب لترأس الجلسة مع وجود العالمين الفاضلين الشاذلي النفير والفاضل بن عاشور وافتتحها بكلمة طالب فيها الأعضاء المؤتمرين ـ وجلهم من الشخصيات العالمية من مسلمين وستشرقين ـ ان يبتعدوا عن الإسفاف في مناقشاتهم (كذا!!!) وما إن خرج لفظ الإسفاف من فيه هذا المخرج القبيح حتى استعذبه، كأنه وقع على لفظ أو معنى مبتكر، وأخذ ينهي الأعضاء عن الإسفاف في البحث والمناقشة حتى أثار جوا عاما من الاشمئزاز والاستنكار، وقام عدد من الوفدين السوري والمصري من أمكنتهم محتجين مستنكرين لهذا الخروج عن آداب اللياقة في مثل هذه الندوة، وقام الدكتور عبد الوهاب عزام وطلب إليه أن يسحب كلمته، فسحبها بعد تلكؤ وتردد لعدم فهمه سبب الاحتجاج! وقد سبب ذلك امتعاض أعضاء الوفود عموما والتونسي خصوصا الذي خجل من فعلته المنكرة، ولما قدم رئيس الوفد التونسي بعد ذلك وعلم بالحادث اعتذر كثيرا، وأكد أن ذلك لم يكن عن سوء قصد، بل عن عدم معرفة بمعنى اللفظ وخاصة في هذا المقام، ذلك هو سبب حقد ابن ميلاد على الوفدين المصري والسوري اللذين أخذ يعرض بهم ويرميهم بشتى الأقاويل.

أما المؤتمر فقد كان مظهرا رائعا للوعي الفكري الإسلامي، انقلب فيه الوضع القديم الذي كان يقف فيه المسلمون من المستشرقين موقف التلاميذ الصغار، ويقف المستشرقون موقف الاستعلاء والاعتزاز بعلوم ومناهج في البحث لا يحسنها المسلمون، لقد انقلب هذا الوضع رأسا على عقب، فقد كان المؤتمر مسرحا لصراع فكري جذاب بين الفكر الإسلامي الحديث الذي استكمل أسباب القوة في مادته العلمية وطريقة البحث والعرض، ونتاج المستشرقين وتفكيرهم الذي اخذ يبدو بعض نقائصه، سواء في سوء الفهم أو نقص الإطلاع أو مخالطة الهوى والغرض للبحث العلمي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت