فهرس الكتاب

الصفحة 848 من 5287

بالمعروف والنهي عن المنكر. ولأجل ذلك فإن الآية الأولى فيها الشمول وليس فيها الشمول.

إن هاتين الدرجتين لكمال الإيمان، اللتين قد تكرر ذكرهما آنفا، إنما هو درجتان من حيث الاعتبار فقط، وإلا فما هو إلا درجة واحدة ولا فرق بينهما في حقيقة الأمر. فمن كان الإيمان راسخا في قلبه وكان ينقي الله حق تقاته، من المحال له قطعا أن يجد غيره مترديا في هوة الضلال والانحطاط ثم لا يحاول انتشاله ودعوته إلى طريق الحق، وأن يعرف وجود المنكر في مكان ثم لا يبذل جهده وروحه لمقاومته ومحوه وقطع شافيته، فإن مثل المؤمن في طبيعته كمثل المسك لا تبقى رائحة الإيمان محدودة في جرمه، بل تفوح منه حيث تستطيع، أو أن مثله كمثل السراج، فهو إذا أنقد مرة بنور الإيمان نشر أضواءه في كل جانب مما حوله من الفضاء. والمسك ما دامت فيه رائحته، لا يزال يعطر حواس من يستنشق عبيره، والسراج ما دام متقدا، لا ينفك يضيء ما حوله من الفضاء، ولكن إذا فقد المسك عبيره بحيث لا يشعر به حتى من يستنشقه من قريب، وإذا فقد السراج ضوءه بحيث لا يضيء أقرب ما حوله من الفضاء، فلابد أن يحكم كل إنسان بأن ليس المسك مسكا ولا السراج سراجا. وهكذا فإن المؤمن إذا لم يدع إلى الخير ويأمر بالمعروف ورضي بالمنكر ولم ينه عنه، فإن ذلك لدليل على أن جذوة تقوى الله قد انطفأت فيه وأن نور الإيمان قد ضؤل في قلبه، ومن تم قال النبي صلى الله عليه وسلم «من رأي منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» وقال في حديث آخر: «وليس وراء ذلك جبة خردل من الإيمان» ومن ثم قد عد القرآن الكريم من صفات المؤمنين العامة أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فقال: «والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر» وقال: «التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله» .وقال «الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر» .

وأما إن قيل على هذا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا كان من صفات المؤمن اللازمة، فلماذا قد اقتصر على جعله فرض كفاية ولم يشدد في بابه حيث إذا قامت به طائفة من الأمة برئت كلها من المسؤولية؟ فالجواب على هذا أن الله العليم الخبير لم يكن يخفي عليه أن المؤمنين سيضعف، ولا يزال يضعف، إيمانهم بعد عهد الرسالة، وإنهم سيظلون ينحدرون إلى الانحطاط مع مرور الزمان حتى ليأتي عليهم زمان سيوجد فيه على وجه الأرض مآت الملايين من أفرادهم، ولكن لا يكون في سراج أيمانهم من القوة ما يضيئون به ما حولهم من الفضاء، بل قد يخشى على نورهم أن تطفئه غلبة ظلمة الكفر وأعاصير الضلال فلمثل هذه الظروف قد أوجب على المؤمنين بكل توكيد أن لا تنعدم فيهم بحال من الأحوال جماعة تدعو إلى الخبر وتأمر بالمعروف وتقف في وجه المنكر وتقاوم كل محاولة لترويجه وتنفيذه، لأنه إذا لم تكن فيهم مثل هذه الجماعة، لا ينقذهم من عذاب الله شيء أبدا.

وهذا ما قد جاء بيانه في عدة مواضع من القرآن الحكيم. ففي سورة المائدة مثلا «لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون» (الآية: 79 ـ 78) وفي سورة هود «فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم وأتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين، وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون» (الآية: 116) . وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «أن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه. فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة والعامة» .

وقال في حديث آخر «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد المسيء ولتطرينه على الحق إطراء، أو ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض، أو ليلعنكم كما لعنهم» .

فالظاهرة من كل هذا أن التبعيض في آية «ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ... » ليس بمعنى أن المسلمين إنما تطلب فيهم جماعة تقوم بواجب الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بحيث إذا قامت بهذا الواجب لم يعد واجبا على غيرها من أفراد الأمة وإنما معناه أن من الواجب أن لا تخلو الأمة بأي حال من الأحوال من جماعة ـ على لأقل ـ تسهر على أثاره سراج الحق والخير ودفع ظلمة الشر والباطل فإنه إذا لم تكن فيها ولا جماعة كهذه الجماعة، فمن المحال لها البتة أن تسلم من عذاب الله ولعنته فضلا عن أن تكون خير أمة أخرجت للناس.

أنزلنا على المرء رؤى

تعريب محمد عاصم الحداد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت