فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وتضيء الشمس عالما كبيرا وعالمنا الشمسي كله مضاء بضوئها.
فكذلك المومن إذا أضاء بنور إيمانه قلب رجل مثله، فإنه يدخل في مرتبة الكمال الثاني، ولكن لا يكون ذلك إلا أدنى مراتب هذا الكمال. ثم هناك مراتب مختلفة بعضها فوق بعض لقيامه بالدعوة في جماعة أو شعب أو قطر، وأعلى مراتب هذا الكمال أن تكون دعوته شاملة عامة للعالم الإنساني كله، فلا يسمع بوجود المنكر في مكان من المعمور الأرضية إلا ويشمر عن ساق جده لمحوه واستئصال شاقته، ولا يعد نفسه مختصا بأمة أو قطر أو حد جغرافي أو نسلي بعينه. هذه هي أكبر مدرج كمال الإيمان وأرفعها. ولأن الحق سبحانه وتعالى قد أراد المسلمين على غاية عليا ومطمح سام ونزيه في كل شأن من شؤون حياتهم، ولم يعلمهم الجبن والوهن والاستكانة والتخاذل في أمر أمورهم، فقد بين لهم في الآيات المقبلة من سورة آل عمران بيانا واضحا أن ليست غاية المسلم الفردية ولا الجماعية في حياته إلا أن يتفرغ جهده لجعل العالم من إقصاء متبعا للشريعة الإلهية البيضاء، ففي ذلك قوله سبحانه وتعالى: «كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتومنون بالله» .
وقد اختلف المفسرون في تفسير هذه الآية، وما منشأ اختلافهم إلا لفظة «منكم» الواردة فيها، تقول طائفة منهم بان ليس «منكم» للتبعيض وإنما هو للتبيين والتوضيح، وتقول طائفة أخرى بأنه للتبعيض.
والذي تستدل به الطائفة الأولى إن الله سبحانه وتعالى قد كلف بالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كل فرد من أفراد الأمة بدون استثناء أحد منهم. فمن الواجب على كل مكلف أن يدعو إلى الخير ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه، كما تبث ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح عنه، فمعنى الآية إذن أنكم أمة تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، لأن «من» في هذه الآية للتبيين والتوضيح كما هو كذلك في آية «فاجتنبوا الرجس من الأوثان» أي رجس الأوثان لا ما هو رجس منها فقط.
أما الذي تستدل به الطائفة الأخرى، فهو أمران: أولهما أن جزءا كبيرا من الأمة مشتمل على النساء والأطفال والمرضى والقاعدين والعجزة، ممن لا قبل لهم بالقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وثانيهما إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة تستوجب عدة شروط لا توجد في كل واحد من المسلمين، ولا بد لمن أراد القيام بها من العلم الصحيح بالخير والمعروف، من استعداد خاص وحكمة بالغة وعقل سديد، وإن يكون بالغا الدرجة العليا من التقوى. فإذا تمت فيه هذه الشروط، فله إذن أن ينصب نفسه للدعوى إلى الله «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» .
ولكن من الممكن أن يزول هذا الاختلاف بكل سهولة إذا تأملنا في القرآن وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ونظرنا فيهما نظرة شاملة:
قد أثبتنا آنفا أن المؤمن كمالي في إيمانه لابد من أولهما ـ وهو تقوى الله تعالى والاعتصام بحلبة ـ لنفس قيام صفة الإيمان في ذات المؤمن، فمن المحتوم أن تكون ولو أي مرتبة من هذا الكمال متحققة في كل فرد من أفراد الأمة الإسلامية لأنها إذا لم تتحقق فيه، لا يجوز أن يعد مؤمنا، كما أن السراج لا يعد سراجا إذا لم يكن فيه ضوء، وإن الثلج لا يكون ثلجا إذا لم يكن فيها الحرارة. ومن ثم، فإن الله سبحانه وتعالى قد شمل المؤمنين جميعا بدون استثناء أحد منهم بخطابه لهم: «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا» فلا تبعيض البتة في هذه الآية بل فيها الشمول مع التوكيد، مما هو دليل على أنه من اللازم المحتوم على كل فرد من أفراد الأمة الإسلامية أن يكون متحليا بالصفات المذكورة في هذه الآية.
أما الكمال الثاني، فهو كمال ثانوي ليس تحقيقه بضروري لمجرد كون كل مؤمن مؤمنا، بل هو ضروري لكونه مؤمنا كاملا ذا مرتبة عليا. فباعتبارنا هذا الكمال لا تكون كل أمة إلا على إحدى حالتين: أما أن تكون هذه المرتبة العليا متحققة في جميع أفرادها، أو في طائفة منها حيث يكون سائر أفرادها منصفين بالمرتبة الأولى وحسب. يقول غز وجل أنكم إذا كنتم على الحالة الأولى أي صارت أمنكم بأجمعها منارة لهداية الدنيا أمرة بالمعروف، ناهية عن المنكر لكل أمتها وشعوبها، فإنكم إذن خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله. وأما إذا عجزتم عن القيام بهذه المرتبة العليا، ولم تكن أمتكم بأجمعها متصفة بهذه المرتبة العليا، ولم تكن أمتكم بأجمعها متصفة بهذه الصفة، فلتكن منكم على الأقل، ولابد، طائفة منتصبة لفريضة الدعوة إلى الخير والأمر