دعوة الحق، س.2، ع4 /يناير 1959 ص 08
للأستاذ: مصطفى الزرقا
أستاذ الشريعة بالجامعة
السورية ـ دمشق
في عصر اليوم الأول من رمضان زرت صديقا لي من كبار الموظفين، قريب عهد بالزواج، فوجدته وادعا وداعة الصائمين، وللصيام في وجهه عنوان ظاهر يقرؤه الناظر إليه.
قلت ـ أراك خافيا صامتا على خلاف عهدي بك في رمضان وغير رمضان.
قلت ـ كلنا صائم ول أشكو ما تشكو لأني أتغلب على مشقة الصيام بالاستراحة وقلة الحركة وترك التطواف قدر الإمكان، لأن الراحة أعظم معوان على الصيام.
قال ـ أتدري أي مرة أصوم الآن من عمري؟ وصاحبي المحدث عنه قد جاوز الأربعين من العمر.
قلت ـ فخبرني: كم عمرك لأحسب كم رمضان قد صمت؟
قال ـ هذا أول شهر أبدا صيامه في حياتي، ولم أصم قبل ذلك يوما قط.
قلت ـ لم أكن لا توقع ذلك كله، ولكني قد أظن أنك قد أهملت الصيام مدة دراستك في أوروبة، شأن الكثير من زملائك.
قال ـ والله ما علقت (أي ما صمت) يوما من رمضان في حياتي قبل هذا اليوم، وقد كنا نرى، كما يوهموننا، أن الصيام ليس سوى أجاعة مضعفة للبدن، غير معقولة طبعا ولا طبا فرضنها أسطورة إسمها الدين، فإذا تقبلتها العقول الساذجة لا ينبغي أن تتقبلها العقول المثقفة، والأفكار النيرة ـ والأشخاص الذين يفهمون أن الجسم كالآلة المحركة (أي الموتور) ، تحتاج إلى زيت ووقود دائمين ما دامت تعمل.
وهنا أخذت العجلة فبادرت صاحبي بقولي: أفلا تحتاج المحركات إلى عملية تنظيفات، تخرج منها ما رسب فيها من رذى الزيت وعكره، وما ألح على محراقها ومحراكها من شحار وغبار، ثم أرايت تلك المصافي التي تقوم في المحركات بتصفية زيت الانزلاق، وزيت الاحتراق، كما تقوم كبد الإنسان باحتجاز تلك السموم ومقاطعة طريقها في البدن، إلا تحتاج تلك الصافي في المحركات إلى تنظيف ما يعلق بثقوبها ويسدها بين الحين والحين، حتى تستطيع إمرار الزيوت نقية إلى أماكنها من الآلة؟
إن الطب الحديث يقرر أن الجسم يحتاج إلى إجاعة نظامية، وهي ما نسميه الصيام، لكي يرتاح به جهاز الهضم، ويتاح الوقت المناسب للكبد ولسائر الأعضاء المختصة أن تطرح السموم التي تتراكم في العضوية، حتى يستعيد الجسم نشاطه وحيويته، كما يستعيد المحرك قوته وانتظام عمله، بعد عملية التنظيف بالجلي (أي الروداج) و بالتمسيح، وتجديد الزيت، وإن الصيام النظامي يعتبر في الطب تدبيرا صحيا لطرح سموم البدن، يسمى البدن، يسمى باللغة الفرنجية: cure de desintoxication فالذي خلق هذا البدن كالآلة، شرع له من التدابير المصلحة نظير ما تحتاج إليه تلك الآلة من عناية بالتنظيف والتجديد والإراحة وإعادة التوازن في سائر أجزائها ومحاورها كلما اختل ذلك بين الحين والحين باستمرار العمل وهذا يكون بالصيام الذي ترتاح فيه الأحشاء وأجهزة الهضم والإفراز وتنصرف فيه الكبد وأعوانها إلى طرح السموم والقيام بالترميم، وهذا يفسر لنا السر في توارد الشرائع الألهية كلها على إيجاب الصيام فإن الله تعالى شرعه في الشرائع السالفة التي أرسل بها رسله سابقا، كما جاء في القرآن العظيم من قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما