فهرس الكتاب

الصفحة 933 من 5287

كتب على الذين قبلكم لعلكم تتقون» فنظام الصيام لو لم توجبه الشريعة لأوجبته الطبيعة ومن حسن الحظ أن صاحبي هذا مهندس يعرف جيدا علم الآلات الحركية ويجيد فهم لغتها ومصلحتها.

فتنفس الصعداء وقال لي: آه يا أخي لم تكن فيما مضى نفهم معنى السموم بمفهومها الطبي اليوم ولا ندرك أن الأغذية الجيدة قد تنقلب في البدن سموما بطيئة تتراكم في العضوية وتحتاج إلي طرح بنظم من الحمية والتدابير الصحية، ثم تنهد الأسف وقال لم يكونوا أيها الأستاذ فيما مضى يعلموننا الدين تعليما جيدا يربطه بنظام الحياة، وأنني الآن التمس ذلك بنفسي بعد الأربعين من العمر وأشعر بالحاجة إلى أن أرجع إلى البحث عن أصول الإسلام ومصادرها الصحيحة وعن فرائضه فأتعلمها من جديد كالأطفال وأمارس عبادتي فأشعر بالطمأنينة تحيط بقلبي، وبالسكينة تسكن إليها نفسي، وهنا قام صاحبي فأحضر لي من على منضدته سلسلة من كتب الديانة المدرسية الجديدة وقال: أني جد مسرور بالقراءة فيها ومعرفة فرائضي وعبادتي، وأعد نفسي سعيدا منذ عهد قريب بممارسة صلواتي وواجباتي الدينية.

فقلت له أما بعد إن عرفت بعض حكمة الصيام ومنافعه وأذعنت لها فلا يسعني إلا أن أنهبك إلى أن هذا يجب أن يكون تعريفا لك بأن أوامر الشريعة الإسلامية كلها تنطوي على مصالح البشرية وعلى حكم قد تخفي منها نواح وقد تظهر لنا، فمن واجب المؤمن أن يمتثل أوامر الشريعة وأن لم تظهر له حكمتها وفائدتها، لأن الإنسان لم يؤت علم كل شيء، فلا يصح أن يجعل عمله الناقص مقياسا لمعقولية أوامر الشريعة، وقد يكون حكمة بعض الأوامر روحية خليقة أكثر من كونها مادية أو صحية. وقد بقيت مغبوطا بحال صديقي هذا وما هداه الله إليه، وكنت قبلا أتعهده الفينة بعد الأخرى بالموعظة اللطيفة وأحضه، على ممارسة عباداته وأشرح له بعض حكمها، وكان يحتج بأنه لا يعرف الفرائض والسنن وطلب إلى كتابتها فكتبنها له، وكان يعدني بأنه عما قريب سأجده قائما بواجباته.

وفي الحال ساورتني فكرة حول السن التي وصلت فيها سفينة عمره إلى ساحل الرشاد، وبدأ فيها تفكيره الديني الذاتي في حدود الأربعين من عمره، وهي السن التي يشعر فيها الإنسان بنضج وتأمل لم يكن يشعر به من قبل، ويتبدل فيها كثير من مفاهيمه ونظرياته في الحياة والأشخاص، وتتكون فيها لديه المفاهيم والنظريات المستقرة، وهي السن التي اختارها الله تعالى لنبوة أنبيائه فتمثلت سريعا قوله تعالى في سورة الأحقاف من القرآن العظيم، حكاية عم أطوار حياة الإنسان:

«حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة، قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه، وأصلح لي غي ذريتي، إني تبت إليك وإني من المسلمين. أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون» .

وإذا كان الصيام بهذه المثابة من الضرورة والفائدة في تدابير الصحة الجثمانية، فإن جميع نتائجه وفوائده تتوقف على حسن نظام الإفطار، فإذا سيء نظام الإفطار كما هي عادة الناس اليوم انقلبت حسناته إلى سيئات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت