فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س5 - ع7 أبريل 1962 ص57
للأستاذ: عبدالعلي الوزاني
بين الأدب والدين أواصر قرابة وروابط نسب، إذ هما يلتقيان في كونهما ينبعان من أعماق القلوب وقرارات النفوس، ويهدفان معا إلى تهذيب النفس الإنسانية والسمو بها إلى أسمى ما قدر لها من مراتب الإشراق والكمال، ويرميان إلى استثمار عناصر الخير والجمال في الإنسان قصد تنميتها وتغليبها على عناصر الشر، ويسعيان وراء التلطيف من حدة الغرائز والشهوات المادية إلى شهوات وملذات روحية، وحتى يتسامى الآدمي الحيوان إلى آدمي إنسان، يشعر بمعاني الخير والحق والعدل والجمال، هذه التي هي محور كل رسالة أدبية، وكل رسالة دينية. والحياة الروحية للإنسان عالم مليء بالأسرار، متعددة المظاهر، ما بين دين وأدب وفن، فالصلوات وآيات الأدب وروائع الفن، إن هي إلا أساليب متنوعة للتعبير عن حياة روحية واحدة، ومهما تعددت البواعث فمردها جميعا إلى الطاقة الروحية التي هي كل لا يتجرأ، ومن ثم كان في الأدب قبس من الدين، وكان في الدين قبس من الأدب، وقبس الدين في الأدب هو الوسيلة الأدبية التي يعتمدها في التأثير والإقناع.
ولا يبتعد الأدب عن الدين إلا إذا كان متحررا من قيود الأخلاق، فعندما يصور الأدب الرذيلة للترغيب فيها وتحبيبها إلى الناس، أو يدعو إلى فاحشة محرضا عليها، أو يلهب في القراء غرائزهم الحيوانية، أو ينشر فلسفة إلحادية تصرف الناس عن الإيمان بالمقدسات الروحية، حين يتجه الأدب إلى كل ذلك أو ما هو من قبيله، يكون قد ابتعد عن الدين، بل يكون معه على طرفي نقيض. ولا يخفى أننا هنا لا نبحث موضوع وجوب التزام الأدب لقيود الأخلاق أو ضرورة تحرره منها، وإنما نحن بصدد بيان عوامل التقريب والتبعيد بين الأدب والدين. والأدب عندما يدعو إلى المثل العليا، ويربط أفراد البشر برباط متين من الشعور الإنساني الموحد، ويهز الضمير الإنساني هزا عنيفا، ويصور خطايا البشر لإظهار شناعتها وقبحها وويلاتها، ويتغنى بجمال الحياة وعظمة الكائنات، ويحذر من طغيان المادة على الروح، ويحقق المشاركة الوجدانية بين الإنسان وأخيه الإنسان، فهو يخدم -عن قصد أو عن غير قصد- أغراضا دينية بالدرجة الأولى، ومن منا ينازع في أن هذه لب لباب الدين وجوهره الصحيح.
وكثير ما التقى الأدب والدين في فنون أدبية تعد من الروائع، فأدب التصوف عند ابن الفارض وابن عربي وأبي حيان التوحيدي وغيرهم، وقصائد المدح التي قيلت في صاحب الرسالة الإسلامية، وفي آل بيته، وفن التسبيح والتحميد، وأدب المناجاة الإلاهية، كل ذلك أمثلة حية لاتصال الأدب بالدين في وحدة منسجمة الخيوط متلاحمة النسيج، وهذا القرءان الكريم نفسه ألقت فيه المعجزة الدينية السامية والمعجزة الأدبية الخالدة، الأولى تظهر في المقاصد والأغراض والثانية تتجلى في الأسلوب والبيان، والأدب عندما يلتقي بالدين ويلقح بلقاحه، ويتعطر بشذاه، يتبادلان بينهما التأثير، فالمعاني الدينية تكتسي حلة من ناصع اللفظ، وزخرف العبارة، وطلاوة الأسلوب، تفتح لها أقفال القلوب، وتدلل أمامها جفاء الطباع، وتتقدم بها نحو النفوس الضعيفة لتنيرها وتهبها قوة اليقين وثبات العقيدة، وما ذلك إلا لأن الأدب هو اللغة الإنسانية التي تتصل بعاطفة