فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
كل الناس في الوقت الذي تعبر عن عاطفة إنسان معين، ولأن الأدب هو الخط المشترك بين كل الناس فله في كل نفس نسب وفي كل قلب قرابة، فما أن يخاطب إنسان بلغة الأدب، تلك الرقيقة الجميلة الموحية، حتى تمس فيه وترا حساسا وعاطفة أصيلة، فتقع الاستجابة المرجوة، وتحدث المعجزة. يذكرنا هذا بقصة إسلام عمر بن الخطاب، ذلك البدوي الجاهلي الخشن الطباع، فقد كان يحارب الدعوة الجديدة بكل ما في دمه وأعصابه من قوة وعنف، فما أن يستمع إلى سورة من القرآن الكريم -المعجزة الأدبية الخالدة- حتى تلين قسوته، ويرهف حسه، وتمتلئ نفسه نورا، فيذعن وهو العصي، ويهدأ وهو الثائر، ويسلس وهو العنيد، ويسلم وهو الجاحد.
وأما تأثير المعاني الدينية في لغة الأدب، فهو إعطاؤها لونا خاصا يميزها عن بقية فنون الأدب، إذ يجعل منها فنا خاصا هو ذلك الأدب الديني الذي يصور الشعور بالدين في أرقى مستوياته وألطف معانيه، والشعور الديني، إذا تناولته لغة أدبية تجيء كفاء له، يعتبر من أسمى ألوان الشعور التي صورتها الآداب الإنسانية. ويؤثر الدين في الأدب من ناحية ثانية، وهي أن كثيرا من الموضوعات الدينية يتخذها الأدباء مجالا لنشاطهم. فهذه غزوة بدر قد قيل فيها شعر كثير، ويكتب توفيق الحكيم مسرحية عن محمد الرسول، كما يكتب الدكتور أحمد بدوي مسرحية عن إسلام عمر، وتوحي السيرة النبوية للدكتور طه حسين بأروع مؤلفاته (على هامش السيرة) . وهذا كتاب ألف ليلة وليلة يحتوي على موضوعات دينية مختلفة، ففيه آثار المعتقدات الإسلامية والإسرائيلية والنصرانية والمجوسية، كما يظهر ذلك في قصة (سيف الملوك وبديعة الجمال) وقصة (قمر الزمان بن شهرمان) وقصة (علي الزيبق المصري) وقصة (الوزيرين بدر الدين وشمس الدين) ، إلى غيرها من القصص، وهذه إلياذة (هومروس) تدلنا على الديانات العامة والديانات المحلية الخاصة بالشعب اليوناني، وكذلك الشأن في (الأدويسيا) ، فهي تعتمد على العقائد الدينية نفسها التي تعتمد عليها الإلياذة (1) .
ويستوحي الأديب الأمريكي (مارك توين) قصة ءادم وحواء الواردة في الكتب السماوية فيكتب (مذكرات ءادم وحواء) كما يستوحيها العقاد في كتابه (هذه الشجرة) . وهكذا نجد أن الأدب كثيرا ما يتناول موضوعات دينية في القصة والمسرحية والخرافة والملحمة والشعر واجدا فيها مادة غزيرة ما زال الأدباء يتواردون عليها ويستلهمونها في كل زمان ومكان.
وإن الدين السماوي، والأدب الإنساني، لهما معقد الأمل في دوام التوازن بين المادة والروح في حياة الإنسان، في هذا العصر الذي تزعزع فيه إيمان كثير من البشر بالمثل العليا والقيم الروحية، وصار قانون المنفعة، وناموس المادية هما اللذان يوجهان أغلبية الناس، ولكن لا ينبغي أن نتشاءم بسبب ذلك ما دام في الإنسانية قلب يتعشق الجمال في الشمس إذا غربت والنجم إذا تألق والزهر إذا تفتح، والفجر إذا تنفس، والغصن إذا تثنى، والطائر إذا غرد، فيكون لذلك صداه في شعر الشاعر ونثر الكاتب.
وإن المتتبع للحركات الأدبية في الشرق العربي ليلاحظ أن هناك حملة على الأدب في بعض الأوساط، بحجة أن الأمة العربية في وقتها الراهن، في حاجة إلى العلم لا إلى الأدب، فكفاها خيالا وأحلاما، ولتوجه كل جهودها إلى التصنيع والاختراع، حتى تلتحق بالغرب الجبار، وهؤلاء الذين يقولون هذا الكلام ينسون أو يتناسون حقيقتين هامتين: أما الأولى فهي أن الناس لم يفرغوا كلهم في قالب واحد ليصبحوا كلهم علماء، وأما الثانية فهي أنهم ينسون أو يتناسون أن الأدب لا يستعمل في مقابل العلم، فبينهما روابط متينة، لأن من عناصر الأدب الفكرة، ومن وسائله القواعد العلمية، وهو معناه العام تدخل فيه الفلسفة وعلم النفس، وعلم الاجتماع، وعلم التاريخ، والعلوم القانونية، بل كل علم كتب بأسلوب الأدب إلا ويعد أدبا بمعناه العام الواسع، كما هو مقرر في كتب الأدب والنقد، وإذن فليس الأدب كله خيالات وأحلاما وضلالا في مختلف الدروب والأدوية، وهذه الحملة ضد الأدب يرافقها ضعف في الوازع الديني في كثير من النفوس، بل إن الدين يهاجم باسم حرية الفكر، والتشبع بالروح العلمية، وتحرير الشعوب مما يسمونه مخدر الدين، ونحن هنا لا نريد أن نعيد ما كتبه الباحثون في الرد على هذه المزاعم، فحسبنا هذا القدر في بيان التهم التي أصبحت توجه إلى كل من الأدب والدين، وهما معقد الرجاء في استمرار الحياة الروحية التي لولاها لكانت الحياة جافة لاتطاق. فهما ضمان استمرارها حية
(1) الأدب اليوناني القديم للدكتور علي عبد الواحد وافي، ص 76 و 86.