فهرس الكتاب

الصفحة 249 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع7 /يناير 1958 ص 26

الدورة الثالثة لمؤتمر أدباء العرب: النقد والقومية العربية

للأستاذ: رئيف خوري

... يكفينا نقطة انطلاق أن ندرك أن النقد الأدبي كما عرفناه في الأدب العربي القديم، أصبح لا يفي بالغرض المقصود، وإن كان فيه الكثير مما نستضيء به وينبغي لنا أن نستبقيه، ولاسيما ما اتصل منه بما أسميه عبقرية التعبير العربي، كذلك لابد من الإقرار أن النقد الأدبي، كما عرفته الحقبة الأخيرة من مصر الإحياء والنهضة، يشكو نقصا بارزا، فهذا النقد يغلب عليه حين يتناول الآثار الحديثة أن يتأثر بعلاقة شخصية، أو يتأثر بمجرد شعارات تعجبه يجدها مرددة في الأثر الأدبي ترددا ساذجا فجا، أو يتأثر بمقاييس منقولة نقلا آليا عن محاولات النقد الغربي، إلا أنه على كل حال قليلا ما يصدر عن تلك الفلسفة الخاصة التي تتبلور فيها سمات القومية العربية التحررية الجديدة، وكذلك شأن هذا النقد فيما يتصل بتقييم تراثنا الأدبي القديم، فترى الناقد يدرس فيه البيئة الزمنية والمكانية التي أنشئ فيها الأثر الأدبي، أو يعمد إلى تقييمه بمقتضى مقاييس قديمة أو مقاييس مستوردة، غير أنه قليلا ما يصدر في هذا التقييم عن تلك الفلسفة الخاصة التي تتبلور فيها سمات القومية العربية التحررية الجديدة، والتي بها نستطيع أن نحول عملية التقييم للتراث من صحة فكرية أو روعة جمالية تغذينا اليوم وتعيننا على أن نؤصل قوميتنا العربية التحررية الجديدة فتصبح، لا انقطاعا، بل اتصالا ونموا.

وهنا سآذن لنفسي أن أعرض لبضعة آراء أصبحت تأخذ بها مناهج النقد الحديث عندنا كلها أو بعضها.

من هذه الآراء مثلا أن العمل الأدبي محض فن، يريدون بذلك أنه لا أخلاقي.

ومن هذه الآراء أيضا أن الشعر العربي مفتقر إلى ثورة تعصف بقالبه القديم، فتتناوله بالتبديل من حيث القالب، أي الوزن والقافية ومن حيث التعبير.

ومن هذه الآراء أيضا أن كل هذا الشعر الذي أنفق فيه الشعراء جهدهم يمدحون غيرهم أو ذاتهم يعظمون أو يتعظمون، لا خير فيه قط، فحقه الاطراح.

ومن هذه الآراء أن الشعر القديم تعوزه الوحدة في القصيدة، فلنجتهد في شعرنا الحديث أن نراعي شروط الوحدة في مجمل العمل الشعري، فتكون القصيدة وحدة لا مجموعة أبيات تكتفي من الرابط بوحدة القالب أي الوزن والقافية.

ومن هذه الآراء أيضا أن مقياس قيمة الشعر أن يطيق الترجمة دون أن يفقد سحره ووقعه.

ومن هذه الآراء أيضا أن اللغة العربية اليوم تعاني انقساما وتباعدا بين صورتها الفصحى الأصلية، وصورها العامية في الأقطار العربية، وما دامت الصور العامية هي لغة الشعب وما دمنا نكتب للشعب فلنستعمل في الأداء الأدبي صور اللغة التي يفهمها الشعب أي الصور العامية.

ومن هذه الآراء أيضا أن الأدب العربي القديم إنما يدرس من خلال أثر الشعوب التي اشترك أبناؤها في إنتاجه، فإذا تناولنا بالدرس كاتبا كابن المقفع أو شاعرا كابن الرومي، ووجدنا خصائص مميزة لهذين الأديبين فخير ما نعلل به لهذه الخصائص أن ابن المقفع فارسي المنبت وابن الرومي يوناني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت