فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.1، ع7 /يناير 1958 ص 27
ومن هذه الآراء أيضا تجاوز أهمية الموضوع في العمل الأدبي تجاوزا يفهم منه أن اختيار الموضوع المتصل بالحياة مباشرة لا قيمة له وإنما القيمة للإخراج الفني للأداء.
وما أريد أن أمضي في استقصاء هذه الآراء. حسبنا منها ما قد ذكرناه.
ولكني أتساءل فيما يتعلق بالرأي الذي يفك العمل الأدبي عن العمل الأخلاقي، كيف يمكننا مع نظرة كهذه النظرة أن ننشئ أدبا عربيا يخدم القومية العربية؟ أو ليس من البدهى أن القومية العربية في حاجة إلى تنشئة جيل متين الخلق، يتحلى بنوه بشجاعة في النضال، وبالمسؤولية والدأب في العمل؟ وكيف نربي هذا الجيل إن لم يكن الأدب من وسائلنا، فأدبنا إذا حتم فيه أن يكون خلقيا، وفنيته يجب أن تتجلى في متعته وفي بعده عن الوعظ، لا في معارضته للأخلاق السليمة، أو في محايدته لها، إني أتساءل أمن الضروري أن تكون النماذج البشرية التي يدور عليها أدبنا هي دائما أزواجا يخونون زوجاتهم، أو زوجات يخن أزواجهن، أو أبناء يفسقون بنساء آبائهم، أو مراهقين ومراهقات تحرقهم الرغبات الجنسية أو مثقفين منطوين على أنفسهم ينسجون ويحلون خيوط أحلامهم وأوهامهم في فراغ، أو مستعطين ندغدغ بتصوير قذرهم وبؤسهم شعور الشفقة في نفوسنا ونكتفي بأن نشمت بمجتمع أنتجهم. أين هي في أدبنا صورة النماذج البشرية الإيجابية البناءة اجتماعيا وقوميا، وبالتالي إنسانيا؟ أين هي في أدبنا صورة الفلاح المحيي للأرض، والمهندس المبدع والعامل الخلاق، والجندي المناضل، والطالب المهموم بمصير قومه، والحاكم الدائب في سعادة شعبه، ورب الأسرة المنجب للوطن أثمن ما فيه فتيانا وفتيات، أين هي صورة هؤلاء جميعا في أدبنا؟ أين هو نقد الشخصيات السلبية المناقضة لهؤلاء؟
وأما فيما يتعلق بإحداث ثورة في القالب الشعري العربي، وتحرير هذا القالب من ضغطه وضيقه فنحن من الراضين المرحبين، بشرط أن يبقى الشعر شعرا، ولست أفهم بالشعر وزنا واحدا، نلتزم بتفاعيله التامة أو ببعض هذه التفاعيل، كلا، ولا نفهم بالشعر قافية واحدة، بل لسنا نفهم به حتى وزنا أو قافية، وإنما نفهم به تعبيرا مكثفا، نفهم به قولا مشحونا تنقلب فيه الكلمة إلى فعل، قولا قد حشدت فيه الطاقة حشدا، بحيث تجيش في نفس القارئ أو السامع قوة فوق ما يجيشه الكلام العادي. ونعتقد أن الشعر العربي له من هذه الصفة حظ خاص، ونريد أن تبقى له من هذه الصفة يقول أبو تمام:
هِمَمُ الفَتى في الأَرضِ أَغصانُ الغِنى غُرِسَت وَلَيسَت كُلَّ عامٍ تورِقُ
فهذا تعبير شعري بنفسه وسواء أتم له وزن أم لم يتم، وسواء أقامت له قافية أم لم تقم، وقد نقول: يبذل الفتى المساعي فمنها ما ينجح به ومنها ما يخفق فيه، وهو معنى كلام أبي تمام بالضبط، ولكنه ليس بشعر. واحتجاجنا بأن الشعب يفهمنا إذا قلنا له: يبذل الفتى المساعي فينجح ببعضها ويخفق ببعضها، وقد لا يفهمنا إذا خاطبناه بكلام أبي تمام، ليس باحتجاج مقبول، لأن الآثار الفنية من شأنها أن تستدعي إعدادا خاصا لفهمها، ونحن مطالبون بأن نهيئ للشعب على حالته. بل إن رسالة القومية العربية التحررية تدور على هذا المحور بالذات، وهي أن لا يبقى شعبنا على حالته، بل يرتفع في مستواه الثقافي والمادي، وسنجد في التعبير الرفيع ما يدهشنا ويحملنا على الاستغفار لأنفسنا لأننا قللنا من مواهب الشعب.
وأما فيما يتعلق بشعر المدح والفخر، فإنني لا أرانا على صواب حين ننفي منه الخير نفيا، وسبب خطئنا أننا قد أخذنا في تقسيمه تارة بهذا الذي نسميه صدقا تاريخيا، وطورا بهذا الذي نسميه لياقات صالونية. قد يكون المتنبي كاذبا في التصوير التاريخي ساعة يقول لسيف الدولة:
الجَيشُ جَيشُكَ غَيرَ أَنَّكَ جَيشُهُ في قَلبِهِ وَيَمينِهِ وَشِمالِهِ
تَرِدُ الطِعانَ المُرَّ عَن فُرسانِهِ وَتُنازِلُ الأَبطالَ عَن أَبطالِهِ
كُلٌّ يُريدُ رِجالَهُ لِحَياتِهِ يا مَن يُريدُ حَياتَهُ لِرِجالِهِ
قد يكون المتنبي كاذبا أو صادقا في تصويره هذا، وليكن كاذبا أو صادقا، ذلك هم المؤرخين، فأما نحن فنعتبر أن أبا الطيب قد قال هذا القول في شخصية أسطورية، كتلك التي تعقد عليها الملاحم، وقد جلا بهذا الكلام صفة من صفات الزعامة الحق: التضحية، الإيثار الفداء، ونحن أحوج ما نكون إلى هذه الصفة البطولية في الزعامة، ففي قول المتنبي إذا غذاء لنا فنحن نحبه، ونحن نغذي به ناشئتنا، وليحتج الصدق التاريخي حتى تبح حنجرته.
كذلك ربما كان عمرو بن كلثوم في عرفنا قد خرق أصول اللياقات الصالونية حين قال لعمرو ابن هند: