فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.3، ع 6 /أكتوبر 1960 ص 18
للأستاذ: محمد العربي الهلالي
مازلنا نتطلع إلى أسرار هذا الكون الذي خلقنا ونشأنا فيه، فلم ينقض لنا منها عجب ولا شفينا منه غلة حتى طرنا بفكرنا محلقين فوق آفاقه، وسرنا نجوب بين سهوله وجباله وحزونه وأغواره، ونخوض في بحاره، من قطر إلى قطر، ومن رطب إلى صخر، ومن صحراء قاحلة مترامية الأطراف عالية الكثبان، وعثة المسالك، إلى غابات تزأر بوحوشها، وتفخر بسباعها وضواريها وتزخر بعيونها وخرير أمواهها المنسابة خلال ظلالها الوارفة، والمتعثرة بأنواع الأعشاب وساقط العيدان والأخشاب، ترقص فيها أنواع من الزهور اليانعة، والرياحين النضرة المشرئبة بأعناقها الشاخصة بعيونها إلى ذلك الدوح الباسق، متمنية أن تدنو أغصانه وشماريخه ليعانقها وتعانقه ويقبلها وتقبله، ولكن أنى لها بذلك والغابة صنوبرية الأشجار، ذات الأوراق الشائكة، والثمار الجافة التي لا تذكي نارا، ولا تؤهل دارا، ولا تنفع جارا، وبعد أن تحس الزهور بخشونته وقلة رقته، وعدم اللين والعطف، لما جبل عليه من التصلب والعنف، تعرض عنه في ندم ويأس فيطأطئ عباد الشمس رأسه خجلا، ويعم هذا الخجل الأزهار فتتلون بضروب الألوان، فتحمر وتصفر وتكفهر ثم تذبل وتنزل متهافتة على الأرض، فتطل عليها الطواويس فتراها شبيهة بفلوس ريشها فتنزل عليها تجر أذيالها متبخترة بين زينتين، زينة الزهر المنثور والريش المنفوش، معربة بلسان حالها عن صنع الله الذي أتقن كل شيء.
ثم ننتقل من تلك المشاهد إلى الجبال الشاهقة، والأودية السحيقة، ومنها إلى البحار العميقة ذات اللجج والأمواج المتلاطمة المرغية المزبدة التي لا تزال في كر وفر، تتزاحف فيشتد صدامها كأنها جيوش متعاركة متطاحنة لا تبلى أحقادها، بل في كل حين تزداد هجماتها، ويستطير شرها، ويعظم أمرها، ثم نتركها وشأنها فنخرج إلى الساحل بسلام فنمد بأبصارنا إلى المدن الأنيقة، والمنازل العالية، والدور والقصور وما تحويه من متاع وأثاث زينة للناظرين ونعيما للمترفين، مع حدائقها الغناء، ومنازلها ورياضها وملاعبها وملاهيها ومقاهيها وفنادقها إلى غير ذلك مما يلذ في أعين الناظرين، ويلهو به اللاهون، ثم نخرج منها بلا طائل أو جدوى، فنفكر طويلا أين، ومتى نجد الضالة المنشودة؟ ألا وهي سر الفضيلة البشرية، وكرم النفس الإنسانية، الذي أودعه الله في هذا المخلوق الأرضي ورفع به مقامه، وكمله وزينه ثم شرفه وفضله على كثير من خلقه، وقال: ?وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ? [الإسراء: 70] ، فأين هذا الكرم؟ وما سببه؟ وهل بيننا الآن في الكرة الأرضية من يتصف به؟ أو يعرفه أو يبحث عنه؟ وهل اكتشف معدنه من بين المعادن الأرضية؟ وفي أي أرض اكتشف؟ ومن اكتشفه؟ ومن يعمل فيه ويستغله؟ أو لا يزال مجهولا عند العالمين بالطبقات الأرضية وما تحويه من عناصر ومواد جامدة وسائلة؟ فإذا كان لا يزال لديهم مجهولا، فهل يأملون العثور عليه يوما ما؟ ومتى يكون ذلك؟ وأنى وفي أي ناحية من أنحاء المعمورة؟ أو سيظل مجهولا دفينا حتى تتزلزل الأرض وتخرج أثقالها.
لا؛ لا يبقى دفينا، بل قد برز في الماضي ولم يزل يبرز حينا فحينا وتفيض به بعض نفوس عباد الله الذين يضربون للبشرية أعلى مثال، ويفاخر بهم الرب سبحانه ملائكته في سماواته ليعلمهم أن ذلك المخلوق الذي استخلفه في أرضه وأسجدهم له ليكون من خيرة جنوده قد كان، وهو قائم بالإعراب عن أسرار ما أودع فيه من قوة وكمال وشرف وعلم وسمو نفس لا يستسهل ولا يستصعب، وقد علا حتى صار ينظر الأشياء متساوية لا سهل فيها ولا صعب، وارتفع حتى عن التضاد والأضداد فتوحد طريقه واتضحت غايته