فهرس الكتاب

الصفحة 2181 من 5287

لأنه أصبح قوي الحس ينظر بنور الله، فبصيرته دائما في نهار لا ليل فيه، وصفاء لا قتام عليه، وتبين السعادة الكبرى كالشمس المشرقة التي لا يحجبها شيء، وأفعم قلبه باليقين، فأصبح يهزأ بالمخاوف والأخطار لعلمه أنه خلق للدوام والخلود وتجدد الوجود، وتراءت له الحياة أنها سلسلة تطورات تختلف أسماؤها باختلاف الحلقات؛ فالولادة، والطفولة، والشباب، والكهولة، والشيخوخة، والموت، والبعث، والحشر، والنشر، إن هي إلا أسماء وأدوار لا تؤثر على الأصل في شيء، ولا تحدث في الحقيقة نقيرا أو قطميرا من التغيير، لأن أثرها إنما يقع على القشرة المادية لا يمكن أن يتجاوزها إلى حقيقة ذلك المخلوق الذي يقوده اليقين والإيمان الراسخ إلى غاية يستعجلها ويقرب منها ولا يبالي بما يعترض سبيله، لأن كرم جبلته المتوهجة بما اقتبسته وفاض عليها من الأسرار الإلهية جعلته من القوة بحيث يمكنه أن يذلل كل شيء بعزم صارم وحد لا يفل، لأنه تذلل لله فأعزه وأخضع له قوة المخلوقات المادية، وارتفع عليها وعلم أن من اللازم أن تتبعه ولا يتبعها، لأنها خلقت لأن تكون تابعة له وخلق ليكون متبوعا حاكما آمرا قادرا متصرفا بأمر سيده ومولاه الذي خلقه وألحقه بجنده، ومن يكون جنديا لله فهل يليق به أن يذل أو يخضع لغير الله، بل هل يليق به أن يغلب أو يخاف من غيره؟ وهل لخليفة الله في الأرض أن يساويه شيء من مخلوقات الأرض فضلا عن أن يكون فوقه في صفة ما، وكيف يتفق ذلك مع قوله تعالى ?لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ? [التين: 4] ، أم يحب أن يرد نفسه أسفل سافلين؟

عرف أولوا الألباب أنفسهم ومقامهم فكانوا جنود الله المطيعة المطاعة فأبردوا بعزمهم النيران الحامية، وجففوا البحار العاتية، وخضعت جميع القوات المادية لإرادتهم ولم يكن لها إلا الخضوع. فإذا أردنا أن نلمس ذلك فلنقرأ قصة خليل الله إبراهيم عليه السلام كيف تقبل القذف في النار بعزم ويقين جعلها بردا وسلاما، ومثل هذه البطولة نلمسها في مؤمني الأخدود وكيف كانت صلابة عزيمتهم، وتوهج إيمانهم المتقد الذي أبى الخضوع للجبروت حين كفر بالطاغوت، ولا جرم أن الإيمان بالعزيز الحميد متى ما حل بصدر إنسان وتمكن منه لا يقوم له شيء، ألم تر إلى سحرة فرعون؟ ألم يكونوا في منعة ووقاية ورفاهية ناعمين بزينة الحياة الدنيا يرون أنفسهم في أوج العز لأنهم تحت رعاية جبار متأله يقربهم ويكرمهم فلا يظنون أحدا على الأرض يحظى بما كانوا عليه من سعادة؟، كيف وهم عدة الملك فرعون، وأساطين ملك مصر؟ ومع ذلك كله لما هداهم الله إلى نوره وتبين لهم الحق رأوا أن ما كانوا عليه إنما هو أضغاث أحلام لا تلبث إذا طلع عليها الصبح أن تزول وكأن لم تكن، فاتبعوا سبيل التضحية والبطولة، ورأوا أن نعيم القتل والصلب وأنواع التعذيب في سبيل الحق ألذ وأعظم من ذلك النعيم الزائف، وأن صحبة الله ورضاه والاعتزاز به أعلى وأغلى من عزة فرعون وصحبته، بل شتان ما بينهما، ولهذا تركوا فرعون قائلين ?لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا? [طه: 72] ولما هددهم وتوعدهم بأشنع العقوبات، وأفظع الهلاك، أجابوه جواب الساخر المستهين الذي لا يكترث ولا يهتم، والذي بلغ من بطولة الإيمان وقوة التضحية ما جعله يستهين بكل ما في الحياة، ولا يهمه إلا وصول البشرية إلى أهدافها العليا ومثلها السامية المثلى، وكل ما يأتي في سبيل ذلك فهو أحلى من العسل وأبرد على الكبد من الثلج في أشد الحر، ولهذا قالوا بكل هدوء واطمئنان «لا ضير» وقالوا: ?فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا? [طه: 72] التي لا يهتمون ولا يعبئون بها لأنهم أيقنوا بحياة أخرى تنتظرهم وهي أبقى وأسعد وأرقى من التي يهددون بالحرمان منها، أما الموت فقد أضحى في نظرهم حادثة من الحوادث التي جرت بها العادة كالارتحال من دار إلى دار أحسن منها أو كالخروج من بيت ضيق إلى بستان جميل فسيح الأرجاء، وهذا الذي دفع بعضهم إلى الإقدام على الموت والتسبب فيه إذا كان يبلغ مراده بالموت كما أثر عن خالد بن الوليد أنه بلغ به الإيثار والتضحية إلى أنه كان يقحم نفسه في مآزق القتال طمعا في الشهادة، واشتهر ذلك عنه حتى اتهم بالتهور، ومن هذا القبيل ما فعله ذلك الغلام الإسرائيلي الذي أشار على الملك بكيفية قتله بعد أن عجز عن قتله. والقصة في الحديث الذي رواه مسلم عن صهيب رضي الله عنه، وهي تفسير وسبب لقصة أصحاب الأخدود. فمن قدر الله حق قدره وعلم مقدار المسؤولية، وما أوجب عليه وحمله من المسؤولية، وتوفر فيه كرم البشرية وطيب عنصرها لا ينظر إلا إلى أداء الواجب وما يرضي الرب مهما كلفه ذلك ما كلفه من تضحية كيف ما كان نوعها، بما رسخ في نفسه أنه رابح على كل حال، لأن عوض التضحية جوار الله والجنة والرفعة في الملأ الأعلى إلى غير ذلك مما لا يقدر بقيمة من القيم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت